من الأندلس إلى الساحل: تاريخ مجالٍ عربي وإسلامي جرى تفكيكه – الجزء الثاني

بقلم / محمد نبيغ
من المجال المتصل إلى التفكك: والأمر نفسه ينطبق على القوى السياسية الكبرى التي ظهرت في هذا المجال. فالحركة المرابطية نشأت في المجال الصحراوي الغربي، ثم توسعت نحو المغرب والأندلس، بينما كانت إمبراطورية غانا كيانًا إفريقيًّا عريقًا ارتبط بشبكات التجارة العابرة للصحراء، وتأثر بالمجال الإسلامي والتجاري المحيط به. أما الدولة الفاطمية فلم تنشأ في النيجر، بل قامت في إفريقية سنة 909م، في المجال الذي يشمل تونس الحالية، كقاعدة انطلقت منها دولة كبرى أعادت تشكيل ميزان القوى في شمال إفريقيا ومصر والمشرق.
وهذه الحقائق التاريخية تكشف أمرًا بالغ الأهمية: لم يكن شمال إفريقيا تابعًا دائمًا لمراكز خارجية، كما لم يكن الساحل فضاءً هامشيًّا، بل كان كلاهما جزءًا من شبكة واسعة قادرة على إنتاج دول ومراكز قوة ومشاريع سياسية وحضارية عابرة للأقاليم.
وفي قلب هذه الجغرافيا برز حوض تشاد، الذي كان على مدى قرون مجالًا سياسيًّا وتجاريًّا مهمًّا، وارتبط بشبكات الحركة بين شمال إفريقيا ووسط وغرب إفريقيا. وتعاقبت في المنطقة سلطنات ودول قوية، وتنافست القوى المحلية والإقليمية على طرق التجارة والموارد والنفوذ.
وفي المرحلة الأخيرة من مقاومة التوسع الفرنسي في حوض تشاد برز رابح بن الزبير، الذي بنى قوة عسكرية وسياسية في المنطقة، قبل أن يُقتل في معركة كوسيري سنة 1900. وبعد ذلك تعزز النفوذ الفرنسي في المنطقة، وتغيرت الخريطة السياسية والإدارية التي كانت قائمة قبل الاستعمار.
ومع التوسع الاستعماري الأوروبي دخل هذا المجال مرحلة مختلفة جذريًّا؛ رُسمت الحدود الحديثة، وقُطعت طرق التجارة القديمة، وفُصلت جماعات كانت تتحرك عبر فضاء واسع، وأعيد تنظيم الاقتصاد لخدمة المراكز الاستعمارية، وأصبحت الصحراء التي كانت طريقًا للقوافل فضاءً تقسمه الحدود والإدارات والحواجز.
لكن الحدود الدولية، رغم أنها قسمت المجال الجغرافي إلى دول وطنية مستقلة، لم تستطع أن تلغي الروابط الاجتماعية التي سبقتها. فالقبائل والعروش والأسر لم تختفِ برسم الحدود، والأنساب والمصاهرة والعلاقات الاجتماعية لم تتوقف عند الخطوط التي رسمتها الخرائط الاستعمارية.
وهنا تظهر مفارقة تاريخية مهمة: لقد سعى الاستعمار الغربي إلى تقسيم المجال إلى وحدات سياسية وإدارية، وإلى توزيع القبائل والمكونات الاجتماعية بين دول مختلفة، بما يتيح التحكم فيها واستثمار التناقضات والصراعات عند الحاجة، لكن الروابط الاجتماعية العميقة قاومت هذا التقسيم.
فالأسرة التي يوجد بعض أفرادها في تشاد قد تجد أبناء عمومتها أو أقاربها في النيجر أو مالي أو السودان، والقبيلة الواحدة قد تمتد جذورها وعلاقاتها عبر أكثر من دولة. والمصاهرة التي تربط أسرة بأخرى، والقرابة التي تصل عشيرة بأخرى، والمصالح الاجتماعية والتجارية التي تتجاوز الحدود، كلها صنعت نوعًا آخر من التواصل لا تستطيع الخريطة السياسية إلغاءه، وهذا لا يعني إلغاء الدولة الوطنية، بل العكس تمامًا.
الحدود الدولية تحمي الدول، لكن العلاقات الاجتماعية تحمي المجتمعات من التفكك، وعندما تتكامل قوة الدولة مع قوة النسيج الاجتماعي تصبح الحدود عامل استقرار لا عامل قطيعة.
فالمواطن في تشاد لا ينظر بالضرورة إلى قريبه في مالي أو النيجر أو السودان باعتباره أجنبيًّا لمجرد أنه يعيش داخل دولة أخرى؛ بل قد يكون ابن عمه أو خاله أو شقيق زوجته أو صهره. وهذه العلاقات الاجتماعية، عندما تُدار داخل إطار الدولة والقانون، يمكن أن تكون عامل تهدئة وتواصل، لا عامل تهديد.
ومن هنا فإن محاولة تحويل الحدود السياسية إلى حدود اجتماعية لم تنجح بالكامل. فقد أصبحت القبائل والأسر والعروش موزعة بين دول وطنية، لكن علاقاتها بقيت قائمة، وأصبح بإمكان الدولة الوطنية أن تحمي مواطنيها، وفي الوقت نفسه أن تتعامل مع الدول المجاورة على أساس المصالح المشتركة وحسن الجوار.
وهنا بدأت مرحلة تفكيك لم تكن سياسية فحسب، بل اقتصادية واجتماعية وأمنية.
فحين تُفكك طرق التجارة تتراجع المدن، وحين تتراجع المدن تتراجع فرص العمل، وحين تتراجع فرص العمل يبدأ السكان في البحث عن بدائل؛ ثم تظهر شبكات التهريب والجريمة والفوضى الهدامة.
وهكذا يتحول الضعف الاقتصادي إلى ضعف اجتماعي، ويتحول الضعف الاجتماعي إلى هشاشة أمنية، وتتحول الهشاشة الأمنية إلى فرصة للتدخلات الخارجية، ومن هنا يصبح التاريخ أمنًا. فما نراه اليوم في الساحل لا ينبغي أن يُقرأ باعتباره سلسلة أزمات منفصلة: اضطراب في مالي، أو انقلاب في النيجر، أو صراع في تشاد، أو توتر في بوركينا فاسو، أو أزمات تمتد إلى السنغال وغانا وغينيا وغيرها. إننا أمام منطقة مترابطة، وأي اهتزاز كبير في دولة منها يمكن أن ينتقل أثره إلى جيرانها.
وهنا يظهر السؤال الذي لا يجوز الهروب منه:
هل ما يحدث مجرد نتيجة تلقائية للأزمات الداخلية، أم أن هناك قوى ومصالح تستثمر في هذه الهشاشة وتدفع باتجاه إضعاف الدول وإعادة تشكيل مناطق النفوذ؟
لا يمكن للباحث الجاد أن يجيب عن ذلك بشعار واحد. لكن لا يمكنه أيضًا أن يتجاهل التاريخ الطويل للتدخلات الخارجية، ولا الصراع على الموارد والممرات والطاقة والثروات والنفوذ، ولا المصالح المرتبطة بالهجرة والأمن.
فالاستهداف لا يعني بالضرورة وجود غرفة واحدة تدير كل الأحداث؛ فقد يكون مباشرًا أو غير مباشر، وقد يتحقق عبر إضعاف الدولة بدل إسقاطها، أو عبر تغذية الانقسامات بدل إشعال حرب شاملة، أو عبر استثمار أزمات حقيقية وتحويلها إلى أزمات أكبر.
وهنا تبدأ المرحلة الأخطر:
عندما تصبح الفوضى الهدامة نفسها أداة سياسية.
إذا كان المجال الممتد من غرب النيل إلى الأطلسي قد عرف تاريخيًّا حركة بشرية وثقافية وتجارية واسعة، فإن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم هو: لماذا أصبحت أجزاء واسعة منه تعاني من الاضطراب المستمر؟
الجواب لا يكمن في سبب واحد؛ فهناك الفقر والبطالة وتراجع دور الدولة والتغير المناخي والنزاعات على الموارد، فضلًا عن شبكات التهريب والجريمة والفوضى الهدامة. لكن الخطورة تكمن في اجتماع هذه العوامل، وفي تحول الأمن الاجتماعي إلى الحلقة المفقودة في كثير من مقاربات الأمن التقليدي. فالأمن الحقيقي لا يقوم على المقاربة الرسمية للقوة المشروعة للدولة وحدها، بل هو أيضًا قدرة الدولة على حماية المواطن وتوفير مقومات الحياة الأساسية من تعليم وصحة وعمل وعدالة وأمن.
