مقالات الرأي

حاربناكم وهذا يكفي


بقلم/ فرج عيواز

في الذكرى الخامسة والتسعين لاستشهاد شيخ الشهداء عمر المختار، نستحضر فلسفته في المقاومة، التي أثرت في الكثير من حركات التحرر في العالم، فقد بدأ عمر المحتار الجهاد ضمن الحركة السنوسية، التي تصدت للتوسع الفرنسي في شمال تشاد نهاية القرن التاسع عشر. وبعد غزو ليبيا في 1911م، قام بتنظيم حركة الجهاد في الجبل الأخضر. وتولى قيادة المقاومة بعد خروج إدريس السنوسي إلى مصر سنة 1922م، مستندا إلى حاضنة شعبية قوية، حتى أسر في الحادي عشر من سبتمبر 1931م. والأسر لم يكن النهاية، بل بداية معركة جديدة أشد ضراوة وأعمق أثرا، فبعد أن كان فوق صهوة جواده محاطًا برفاقه وبندقيته في يده، أصبح وحيدًا في مواجهة الغزاة، مكبلًا بالأغلال، وتحولت المعركة من مواجهة بنادق إلى معارك إغراءات ومبادئ وقيم، وقد جسد المخرج مصطفى العقاد تلك المواجهة في حوار بين الحق والباطل في شريط أسد الصحراء.

“أتظن بالقليل الذي لديكم ستخرجوننا من ليبيا؟” لا، ربما هذا السؤال، هو الذي أرَّق جراتسياني وكل إيطاليا، أكثر من الصمود والمقاومة التي واجهوها من شعب أعزل من السلاح، لم يعرف الخدمة العسكرية النظامية قط؛ وأنهكته قرون من الحكم العثماني البغيض. ويكشف السؤال، عن مأزق إيطاليا التي اعتقدت أن تفوقها العسكري كفيل بأن يحسم المعركة سريعًا. ولم تكن الصحافة الإيطالية المؤيدة للغزو بعيدة عن هذا الوهم، فنشرت “إن ما يقوم به الجيش الإيطالي ما هو إلا نزهة بحرية على الشاطئ الرابع لروما، لن تدوم إلا لأسابيع” ولكن الكلمة الفصل كانت للشعب الليبي، وليست لفاشية روما. فمنذ اللحظات الأولى للغزو 1911م، تصدى الليبيون، رجالًا ونساءً، لآلة الحرب الحديثة، بالسلاح الأبيض والبنادق البدائية، غير آبهين لفارق القوة؛ وشعارهم “الجهاد الجهاد، ومرحب بالجنة جت تدّنا” والأصعب من ذلك، خذلان سلطان المسلمين بتنازله عما لا يملك، لمن لا يستحق.

ولم تكن موازين القوة لصالح الليبيين، لكن إرادتهم كانت أقوى، فلم تنجح القسوة ولا المعتقلات ولا النفي ولا الإعدامات، في القضاء على المقاومة. وتماديًا في الإرهاب أعدم شيخ عجوز أسير، ناهز السبعين من عمره أمام الناس، لا ذنب له إلا رفض احتلال وطنه. ولكنها لم تكن النهاية، بل كانت صفحة من صفحات الجهاد قد طويت، لتبدأ مرحلة جديدة في المهجر، حيث أنشئ الجيش الليبي، الذي شارك مع قوات الحلفاء في هزيمة قوات المحور وطردهم من ليبيا.

وبذلك دخلت ليبيا مرحلة جديدة من مراحل النضال الوطني: وهي مرحلة الاستقلال وبناء الدولة.

ولم تذهب تضحيات الليبيين أدراج الرياح، فقد توجت بنيل ليبيا استقلالها في 24 ديسمبر 1951م، ولم يكن بناء الدولة من العدم، فهناك تاريخ عريق وحضارة تليدة، وإرث وطني لم يكن وليد اللحظة. ولهذا لم يكن غريبًا أن ينال عمر المختار هذه المكانة العظيمة، في الذاكرة الوطنية، ففي السادس عشر من سبتمبر من كل عام تحيي ليبيا ذكرى استشهاده، بوصفها ذكرى وطنية تجسد تضحيات الليبيين بكل مكوناتهم، جنوبًا وشرقًا وغربًا.

وما إحياء مثل هذي الذكريات إلا للعظة والعبرة؛ فمن لا يتعظ، فحتما مآله إلى زوال.

عمر الذي أبى أن يكون عميلًا للغزاة رغم كل الإغراءات، وبقي وفيًّا لما آمن به، ويقول في ذلك شوقي “خيرت فاخترت المبيت على الطوى.. لم تبنِ جاها أو تلم ثراء”. وقد آمن بأن مواقفه رسالة تتجاوز حياته، فظلت كلماته تُردد من بعده، تُلهب العزائم وتُؤجج المشاعر.

وهكذا هم الأبطال، مشاعل هدى للأجيال القادمة، يجب أن تبقى نقية ناصعة البياض، وقد تجلى ذلك في رده على جراتسياني “لا تعلن في خلوتنا هذه أني استجديتك حياتي”، هذه الكلمات أكدتها المعارك والمواقف الثابتة في ساحات الوغى، ويوم واجه جراتسياني وجهًا لوجه.

“نحن لن نستسلم، ننتصر أو نموت، وعليكم أن تقاتلوا الجيل القادم والأجيال التي تليه، أما أنا فحياتي ستكون أطول من حياة شانقي”، وقد نال شرف الشهادة واحترام شرفاء العالم. وصار اسمه رمزًا تجاوز حدود ليبيا والعالمين العربي والإسلامي، وكرمته العديد من شعوب العالم، فأقيم له نصب في هافانا وآخر في كراكاس، بوصفه رمزًا للنضال الوطني.

وسؤالي: هل استوعبنا فلسفة عمر المختار في المقاومة، بعد كل هذه السنوات التي مضت على استشهاده؟ الفلسفة التي تقوم على أن تفوق العدو وتواطؤ البعض معه لا يبرر الاستسلام، ومقاومة الاحتلال هي في حد ذاتها هدف، والغاية هي استمرار المقاومة جيلًا بعد جيل، إلى أن يتحقق النصر ويندحر الأعداء، والهزيمة هي الاستسلام لإرادة العدو وليست خسارة معركة، وأن الأبطال لا يموتون، وإن قتلوا غيلة وغدرًا. ها نحن ومعنا العالم أجمع، نمجد عمر المختار، ولكن أين أولئك الذين هتفوا باسم كازي روما، والذين قدموا السيف الذهبي، والحصان العربي الأصيل لموسيليني، والذين وصفوا المجاهدين بالفلاقة، وعمر المختار بزعيم العصاة؟ وأولئك الذين كانوا أدلاء دليلين، والذين أفتوا بحرمة قتال الغزاة، ووجوب طاعتهم؟

وفي الختام ما أحوجنا أن يكون عمر المختار، حاضرًا معنا قولًا وعملًا، وليس ذكرى تأتي وتمضي، كسائر الأيام، ولا مزارًا تؤمه الوفود من كل مكان، ولا اسمًا لشارع، ولا صورة على ورقة، ولكن قدوة ومنهج عمل تربى عليه أجيال المستقبل.

إن ذكرى استشهاده، ليست للاحتفال، ولكنها للتذكير بأن يومنا لا يختلف عن أمسنا، فإما طريق الخيانة والعمالة والتخاذل، وخسارة وطننا، وإما طريق “الذين قال لهم الناسُ إن الناسَ قد جمعوا لكم فاخشوهمْ فزادهم إيمانًا وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل”.

الطريق الذي لن ينطفئ شعاعه، ولن يصمت صداه، وسيظل يتردد عبر الأجيال، جيلًا بعد جيل “حاربناكم وهذا يكفي”.

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى