مقالات الرأي

أطباء في القاع وسفهاء في القمة!



بقلم / مصطفى الزائدي

عبر التاريخ وفي كل الأمكنة يشكل الأطباء طبقة الحكماء المتعلمين الذين يساعدون الناس على حياة آمنة صحية ويسخِّرون أوقاتهم وجهودهم لمقاومة المرض، ولقد نجحوا مع فئات أخرى من العلماء في سبر أغوار الأمراض واكتشفوا سبل مقاومتها ومعالجتها، وبمرور الزمن تطورت مهنة الطب، وصار ممكنا تعليم وتدريب الشباب الأذكياء عليها، وتكونت مدارس في كل البلدان تُعلِّم المهنة وتُطوِّر ممارسيها، ولم تكن مهنة الطب في أي وقت مصدرًا لتكديس الثروات، بل كانت خدمة إنسانية صيغت في قوانين وأعراف أخلاقية يتم التقيد بها منذ قسم “أبو قراط”!

التطور العلمي المتسارع انعكس بشكل كبير على التطبيب، فتطورت وسائل التشخيص والعلاج وسبل الوقاية، وتكونت التخصصات الدقيقة، مما رتب التزامات كبرى على الأطباء بضرورة مواكبة التطورات في عملية تعليم متواصل حتى التوقف عن تقديم الخدمة.

وبعيدًا عن المشاكل الحقيقية التي تتعرض لها مهنة الطب، سواء بانهيار منظومات الإمدادات وتأثير مرحلة العبث الإداري على الخدمات الصحية، ودخول المعامل التجاري ومحاولات الإثراء السريع وتحولها إلى نشاط اقتصاديّ يراه التجار ورؤوس الأموال مصدرًا للربح السريع، وتزوير الشهادات والدعايات التي تحتاج إلى مزيد من التعمق في التناول، فإن المهنة في ليبيا تتعرض إلى تحديات من نوع قد لا تجد له مثيلًا في الدول الأخرى البعيدة والقريبة، لعل من أبرزها وأخطرها فقدان الأطباء لوضعهم الاجتماعي كفئة متميزة يفترض أن تحظى باحترام وتقدير الجميع، وصارت مجموعات أخرى من ذوي المال والنفوذ يتصدرون السلَّم الاجتماعي وينالون طوعا أو كرها تقديرًا احترامًا قد لا يستحقونه!

يقول أستاذنا المرحوم مفتاح الأسطى عمر مؤسس الطب في ليبيا عندما يصاب الإنسان بمرض هو وأسرته أول من يستحضرونه ويطلبون مساعدته الطبيب! لكنهم في وقت الراحة يضعونه في آخر قوائم من يخشونهم ويحترمونهم، وللأسف الشديد هذه خاصية استشرت في ليبيا مؤخرًا وتفاقمت لتكون أحد مخرجات النكبة، فصار السفهاء من علية القوم ووُضع الأطباء والعلماء في الأسفل!

ربما يساهم بعض الأطباء بسبب التواضع أو الطمع في وضع أنفسهم في هذا الموضع المتدني، وصدق القول “من لا يحترم نفسه ويحفظ قدره فلن يجد من يحترمه ويقدره”!

إضافة إلى وضع الأطباء الاجتماعي فإن وضعهم الاقتصادي متدنٍ جدًّا، فمرتبات الأطباء من أقل المرتبات التي تدفعها الدولة بالرغم من حجم المسؤوليات والمهمة التي يتولونها وهي حماية صحة الناس ومعالجة المرضى، ودون التطرق لأوضاع الفئات الأخرى المهمة وخاصة المهندسين والمعلمين وأعضاء هيئة التدريس الجامعي الذين يعانون نفس معاناة الأطباء فإن فئات أخرى تتقاضى مرتبات عالية وبعضها خيالي كالوزراء والنواب الذين أغلبهم بمستويات تعليمية صفرية ويتنافسون فقط على النهب وبيع مقدرات البلد، هذا الوضع دفع الأطباء إلى اللهث خلف العمل الخاص لتحسين أوضاعهم على حساب مثلهم والقيم الطبية، وأغلبهم مضطرون للعمل بمصحات وعيادات يملكها ويديرها أشخاص لا علاقة لبعضهم بالطب والتطبيب ومنهم مجرد باحثين عن غسل أموال غير مشروعة، وفي كل الأحوال هم يجمعون ثروات من جهود الأطباء الذين ينالون مقابل بسيط عن جهودهم ناهيك عن مسؤولياتهم الأخلاقية والقانونية ويتهمون بالجشع ورفع أسعار الخدمة وهم منها براء!

الأطباء الملتزمون أخلاقيًّا وعرفيًّا بتقديم خدمات مجانية لزملائهم غير مشمولين للأسف بالتأمين الطبي الذي يغطي العاملين بالشركات وعديد الهيئات وهم الأولى أن يضمن المجتمع علاجهم وذويهم، وأعرف كثيرًا من الزملاء رحمهم الله الذين لم يجدوا من يمد لهم يد العون في وقت كانوا يقدمون خدماتهم للجميع وبمرتبات رمزية!

الأطباء مطالبون بتكوين نقابة قوية وقادرة على الدفاع عن مطالبهم وحماية حقوقهم!

فلا مستقبل لأمة يكون علماؤها وأطباؤها على الهامش!!

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى