باب المندب وهرمز.. حين تضيق منافذ الطاقة أمام الاقتصاد العالمي

بقلم: عثمان الدعيكي
أكتب هنا من زاوية اقتصادية صِرفة، بعيدًا عن الاصطفاف السياسي وحسابات الحرب وما تجرُّه من عواطف؛ فالمقال لا ينشغل بمواقف أطراف الصراع وأحقية هذا من ذاك بقدر ما يحاول تشخيص المشهد وقراءة كلفة ما يحدث على الاقتصاد العالمي. ومن هذه الزاوية تحديدًا، تبدو التطورات المتسارعة في باب المندب أبعد كثيرًا من حدود اليمن، إذ لم يعد التصعيد العسكري في البحر الأحمر حدثًا محصورًا في جغرافيا اليمن أو في حسابات الحرب الدائرة في المنطقة. فالتطورات الأخيرة حول مدينة المخا وميناؤها والجزر والمواقع المشرفة على باب المندب تضع واحدًا من أهم شرايين التجارة والطاقة العالمية أمام مرحلة جديدة من المخاطر، في وقت يواجه فيه مضيق هرمز، على الجانب الآخر من شبه الجزيرة العربية، ضغوطًا غير مسبوقة بفعل المواجهة التي أشعلتها الولايات المتحدة والكيان مع إيران.
وبحسب التقارير الدولية المتداولة، تمكنت القوات اليمنية التابعة لعبدالملك الحوثي من السيطرة على مدينة المخا الاستراتيجية على البحر الأحمر، بما يعزز قدرتها على الاقتراب من باب المندب وتهديد حركة الملاحة فيه. وهذه النقطة تحديدًا هي التي تمنح التطور اليمني ثقله الاقتصادي؛ فالمخا ليست مجرد مدينة ساحلية، بل تقع في نطاق جغرافي شديد الحساسية مقابل واحد من أضيق الممرات التي تصل المحيط الهندي بالبحر الأحمر، ومنه إلى قناة السويس والأسواق الأوروبية.
النتيجة المباشرة لأي اضطراب كبير في باب المندب لن تكون توقف السفن فقط، بل انتقال جزء واسع من حركة التجارة إلى طريق رأس الرجاء الصالح حول أفريقيا. وهو مسار أطول بآلاف الكيلومترات، يرفع استهلاك الوقود وتكاليف الشحن والتأمين ويضيف أيامًا وربما أسابيع إلى زمن الرحلات. وقد اختبرت الأسواق جانبًا من هذه الكلفة خلال أزمات البحر الأحمر السابقة، عندما اضطرت شركات شحن عالمية إلى تحويل مسارات سفنها بعيدًا عن المنطقة. لكن الخطر هذه المرة أكبر لأن باب المندب لا يتحرك بمعزل عن مضيق هرمز.
فهرمز يمثل الممر الأهم لصادرات الطاقة القادمة من الخليج، وتدور عبره حصة تقارب خُمس تجارة النفط العالمية، إضافة إلى نسبة كبيرة من تجارة الغاز الطبيعي المسال. ومع تقلص القدرة على استخدامه، أصبحت خطوط الأنابيب البرية والموانئ المطلة على البحر الأحمر صمام الأمان الطبيعي للسعودية ودول الخليج.
هنا تبرز أهمية خط أنابيب (شرق–غرب) السعودي الذي ينقل النفط من حقول المنطقة الشرقية إلى ساحل البحر الأحمر، بما يسمح بتجاوز هرمز. ومع الحديث عن تعرض هذا الخط ومنشآت ومواقع نفطية سعودية لضربات، تنتقل الأزمة من تهديد الممرات البحرية إلى استهداف البدائل نفسها. وتقدر أرقام متداولة قدرة المنظومة بنحو ثمانية ملايين برميل يوميًّا، فيما تختلف التقديرات الفنية المنشورة تاريخيًّا بشأن طاقتها التشغيلية الفعلية. لكن المعنى الاقتصادي يبقى واحدًا: تعطيل مسار التصدير الغربي بالتزامن مع تعثر هرمز يضيِّق بصورة شديدة خيارات خروج النفط السعودي إلى الأسواق.
وهذا السيناريو لا يعني حصارًا بحريًّا بالمعنى التقليدي فقط، بل حصارًا لمنظومة الطاقة: مضيق مهدد شرقًا، وباب المندب مضطرب غربًا، وخط أنابيب بديل تحت النار، إلى جانب احتمال زيادة استهداف المصافي ومستودعات النفط ومحطات الضخ.
الأسواق لا تنتظر عادة وقوع السيناريو الأسوأ حتى تتحرك. مجرد ارتفاع احتمال تعطل الإمدادات يكفي لإضافة ما يعرف بـ (علاوة المخاطر الجيوسياسية) إلى سعر برميل النفط، بينما تقفز في الوقت نفسه أسعار التأمين البحري وأجور الناقلات. وإذا تحول التهديد إلى توقف فعلي لكميات كبيرة من النفط الخليجي، فإن الصدمة ستصل سريعًا إلى البنزين والديزل ووقود الطائرات.
الولايات المتحدة، رغم كونها أحد أكبر منتجي النفط في العالم، ليست معزولة عن ذلك؛ فأسعار الخام والمنتجات المكررة تتحرك داخل سوق دولية مترابطة. ارتفاع النفط العالمي يعني في النهاية ضغطًا صعوديًّا على أسعار البنزين الأمريكية، وهو ملف شديد الحساسية للمستهلك وللتضخم.
أما أوروبا فالمعادلة أكثر تعقيدًا. القارة تعتمد بدرجة كبيرة على الواردات، كما أن طريق البحر الأحمر وقناة السويس يمثلان شريانًا مهمًّا لوصول النفط والمنتجات المكررة والغاز والسلع الآسيوية. ولذلك قد تدفع مرتين: مرة نتيجة ارتفاع سعر الطاقة، ومرة نتيجة زيادة تكلفة النقل والشحن وتأخر سلاسل الإمداد.
وحتى الدول المصدرة مثل ليبيا لن تكون خارج المشهد. ارتفاع النفط يمكن أن يرفع قيمة الصادرات الليبية والإيرادات النفطية، لكنه في المقابل يزيد أسعار السلع المستوردة والنقل والتأمين، وقد يرفع تكلفة الوقود الذي تستورده الدولة من الخارج. أي أن المكسب الاسمي في سعر البرميل لا يعني بالضرورة مكسبًا اقتصاديًّا صافيًا.
المعادلة التي تتشكل اليوم شديدة الحساسية: هرمز يتحكم في بوابة الخليج، وباب المندب في بوابة البحر الأحمر، وخط شرق–غرب يمثل أحد أهم الجسور بينهما. وإذا تعرضت هذه المسارات الثلاثة لضغط متزامن، فلن يكون السؤال متعلقًا بسعر النفط وحده، بل بقدرة الاقتصاد العالمي على إبقاء الطاقة والتجارة تتحركان بالسرعة والكلفة اللتين اعتادهما العالم.
باب المندب وهرمز.. حين تضيق منافذ الطاقة أمام الاقتصاد العالمي
بقلم: عثمان الدعيكي
أكتب هنا من زاوية اقتصادية صِرفة، بعيدًا عن الاصطفاف السياسي وحسابات الحرب وما تجرُّه من عواطف؛ فالمقال لا ينشغل بمواقف أطراف الصراع وأحقية هذا من ذاك بقدر ما يحاول تشخيص المشهد وقراءة كلفة ما يحدث على الاقتصاد العالمي. ومن هذه الزاوية تحديدًا، تبدو التطورات المتسارعة في باب المندب أبعد كثيرًا من حدود اليمن، إذ لم يعد التصعيد العسكري في البحر الأحمر حدثًا محصورًا في جغرافيا اليمن أو في حسابات الحرب الدائرة في المنطقة. فالتطورات الأخيرة حول مدينة المخا وميناؤها والجزر والمواقع المشرفة على باب المندب تضع واحدًا من أهم شرايين التجارة والطاقة العالمية أمام مرحلة جديدة من المخاطر، في وقت يواجه فيه مضيق هرمز، على الجانب الآخر من شبه الجزيرة العربية، ضغوطًا غير مسبوقة بفعل المواجهة التي أشعلتها الولايات المتحدة والكيان مع إيران.
وبحسب التقارير الدولية المتداولة، تمكنت القوات اليمنية التابعة لعبدالملك الحوثي من السيطرة على مدينة المخا الاستراتيجية على البحر الأحمر، بما يعزز قدرتها على الاقتراب من باب المندب وتهديد حركة الملاحة فيه. وهذه النقطة تحديدًا هي التي تمنح التطور اليمني ثقله الاقتصادي؛ فالمخا ليست مجرد مدينة ساحلية، بل تقع في نطاق جغرافي شديد الحساسية مقابل واحد من أضيق الممرات التي تصل المحيط الهندي بالبحر الأحمر، ومنه إلى قناة السويس والأسواق الأوروبية.
النتيجة المباشرة لأي اضطراب كبير في باب المندب لن تكون توقف السفن فقط، بل انتقال جزء واسع من حركة التجارة إلى طريق رأس الرجاء الصالح حول أفريقيا. وهو مسار أطول بآلاف الكيلومترات، يرفع استهلاك الوقود وتكاليف الشحن والتأمين ويضيف أيامًا وربما أسابيع إلى زمن الرحلات. وقد اختبرت الأسواق جانبًا من هذه الكلفة خلال أزمات البحر الأحمر السابقة، عندما اضطرت شركات شحن عالمية إلى تحويل مسارات سفنها بعيدًا عن المنطقة. لكن الخطر هذه المرة أكبر لأن باب المندب لا يتحرك بمعزل عن مضيق هرمز.
فهرمز يمثل الممر الأهم لصادرات الطاقة القادمة من الخليج، وتدور عبره حصة تقارب خُمس تجارة النفط العالمية، إضافة إلى نسبة كبيرة من تجارة الغاز الطبيعي المسال. ومع تقلص القدرة على استخدامه، أصبحت خطوط الأنابيب البرية والموانئ المطلة على البحر الأحمر صمام الأمان الطبيعي للسعودية ودول الخليج.
هنا تبرز أهمية خط أنابيب (شرق–غرب) السعودي الذي ينقل النفط من حقول المنطقة الشرقية إلى ساحل البحر الأحمر، بما يسمح بتجاوز هرمز. ومع الحديث عن تعرض هذا الخط ومنشآت ومواقع نفطية سعودية لضربات، تنتقل الأزمة من تهديد الممرات البحرية إلى استهداف البدائل نفسها. وتقدر أرقام متداولة قدرة المنظومة بنحو ثمانية ملايين برميل يوميًّا، فيما تختلف التقديرات الفنية المنشورة تاريخيًّا بشأن طاقتها التشغيلية الفعلية. لكن المعنى الاقتصادي يبقى واحدًا: تعطيل مسار التصدير الغربي بالتزامن مع تعثر هرمز يضيِّق بصورة شديدة خيارات خروج النفط السعودي إلى الأسواق.
وهذا السيناريو لا يعني حصارًا بحريًّا بالمعنى التقليدي فقط، بل حصارًا لمنظومة الطاقة: مضيق مهدد شرقًا، وباب المندب مضطرب غربًا، وخط أنابيب بديل تحت النار، إلى جانب احتمال زيادة استهداف المصافي ومستودعات النفط ومحطات الضخ.
الأسواق لا تنتظر عادة وقوع السيناريو الأسوأ حتى تتحرك. مجرد ارتفاع احتمال تعطل الإمدادات يكفي لإضافة ما يعرف بـ (علاوة المخاطر الجيوسياسية) إلى سعر برميل النفط، بينما تقفز في الوقت نفسه أسعار التأمين البحري وأجور الناقلات. وإذا تحول التهديد إلى توقف فعلي لكميات كبيرة من النفط الخليجي، فإن الصدمة ستصل سريعًا إلى البنزين والديزل ووقود الطائرات.
الولايات المتحدة، رغم كونها أحد أكبر منتجي النفط في العالم، ليست معزولة عن ذلك؛ فأسعار الخام والمنتجات المكررة تتحرك داخل سوق دولية مترابطة. ارتفاع النفط العالمي يعني في النهاية ضغطًا صعوديًّا على أسعار البنزين الأمريكية، وهو ملف شديد الحساسية للمستهلك وللتضخم.
أما أوروبا فالمعادلة أكثر تعقيدًا. القارة تعتمد بدرجة كبيرة على الواردات، كما أن طريق البحر الأحمر وقناة السويس يمثلان شريانًا مهمًّا لوصول النفط والمنتجات المكررة والغاز والسلع الآسيوية. ولذلك قد تدفع مرتين: مرة نتيجة ارتفاع سعر الطاقة، ومرة نتيجة زيادة تكلفة النقل والشحن وتأخر سلاسل الإمداد.
وحتى الدول المصدرة مثل ليبيا لن تكون خارج المشهد. ارتفاع النفط يمكن أن يرفع قيمة الصادرات الليبية والإيرادات النفطية، لكنه في المقابل يزيد أسعار السلع المستوردة والنقل والتأمين، وقد يرفع تكلفة الوقود الذي تستورده الدولة من الخارج. أي أن المكسب الاسمي في سعر البرميل لا يعني بالضرورة مكسبًا اقتصاديًّا صافيًا.
المعادلة التي تتشكل اليوم شديدة الحساسية: هرمز يتحكم في بوابة الخليج، وباب المندب في بوابة البحر الأحمر، وخط شرق–غرب يمثل أحد أهم الجسور بينهما. وإذا تعرضت هذه المسارات الثلاثة لضغط متزامن، فلن يكون السؤال متعلقًا بسعر النفط وحده، بل بقدرة الاقتصاد العالمي على إبقاء الطاقة والتجارة تتحركان بالسرعة والكلفة اللتين اعتادهما العالم.
