فروع المأثورات الشعبية

بقلم / منير تاج الدين
من المتفق عليه أن لكل مجتمع بشري تعبيره الفني الشعبي، وكنتيجة لهذا الاتفاق – الاعتراف – ظهرت الدعوة إلى دراسة المأثورات الشعبية كإحدى نتائج التجمع البشري، ومن دراستنا لتاريخها نعرف أن علماء الإنسان كانوا من أكثر الباحثين اهتمامًا بهذا الموضوع، وذلك لأن دراساتهم تقوم على إدراك الفهم الكلى الشامل للإنسان وثقافته الممثلة في المأثورات الشعبية التي تعتبر دراستها أحد فروع الدراسات الإنسانية والاجتماعية، ولها خصائصها التي تميزها عن هذه العلوم، وكذلك فروعها المتعددة والمتداخلة التي يمكننا تصنيفها على النحو التالي:
أولًا: الفنون القولية، ونعني بها ما يعرف بـ “الأدب الشعبي”، وهي كل ما يعتمد على استخدام الكلمة، سواء أكانت منثورة مثل الخرافات والحكايات والأساطير والحكم والسير الشعبية والألغاز والأمثال، أم منظومة كالشعر الشعبي ونصوص الأغاني والمواويل، وكذلك بعض الألغاز والأمثال الشعبية، وقلما يخلو مجتمع بشري من هذه الأشكال الأدبية الشعبية.
ثانيًا: العادات والتقاليد، وهي تلك القواعد والطقوس والمراسم الخاصة التي يمارسها أفراد المجتمع البشري في المناسبات المختلفة، وقد يجد الفرد نفسه ملزمًا باتباعها إذا أراد القيام بأداء أو تعلم عمل ما، والعادة في الغالب الأعم تكون خاضعة لضوابط ومعايير لا تتعارض مع الدين، وقد يكون اسمها مشتقًّا من دوامها وتعوُّد الناس عليها، أما التقاليد فهي تلك الممارسات الجانبية التي ترافق طقوس العادات، وقد لا تكون من ضمن النظم والأسس السلوكية المتعارف عليها لدى المجتمع، وإنما هي أحيانًا عبارة عن ممارسة لعادات بعض الأمم والمجتمعات الأخرى وقد نقلت إلى المجتمع بطريقة ما.
ثالثًا: الموسيقى الشعبية، وهي الأنغام التي نسمعها عندما يعزف الفنان الشعبي على آلته الموسيقية بمصاحبة الآلات الإيقاعية الشعبية بمختلف أنواعها أو بدونها، وهي تلك الأصوات “الألحان” التي تصدر عن المطرب الشعبي “المغني” عندما يؤدي أغانيه الشعبية. والموسيقى الشعبية ليست وليدة اليوم أو الأمس، ولكنها ضاربة في القدم، وبواسطتها يعبر الفنان الشعبي عن أحاسيسه التي قد لا تختلف عما يجول بخاطر أبناء مجتمعه.
رابعًا: فن التعبير بالحركة الشعبية “الرقص الشعبي”، فلكل مجتمع بشري تعبيراته الحركية التي يتناقلها جيلًا عن جيل، واللعبة الشعبية “ظاهرة” عادة ما تنتشر بين جميع طبقات المجتمع، وخاصة في المجتمعات البدائية، وهي عبارة عن مجموعة من الحركات المتناسقة يقوم بأدائها فرد أو جماعة، ويعبر الشعب من خلالها عن بعض جوانب التفاعل الاجتماعي بين أبنائه، واللعبة الشعبية “الرقصة” في معظم الأحيان، تحمل موضوعًا على شكل قصة تروى بواسطة الحركة، ولذلك فإنه بإمكاننا أن نطلق على هذا الفرع من المأثورات الشعبية فن “التمثيل الصامت”.
خامسًا: المعتقدات الشعبية، الاعتقاد في الشيء، هو الاعتراف به والتأكيد على وجوده والاقتناع التام بقدرته على إلحاق الضرر بالناس أو مساعدتهم في دفع الشر عنهم، والمجتمعات البشرية بأجناسها المتعددة لا تخلو من هذا النوع من المأثورات وهو المعتقدات الشعبية التي جاءت كنتيجة للتصورات والصراعات الداخلية في النفس الإنسانية أي “صراع الخير مع الشر” الذي ينشأ عنه الخوف حتمًا، ما يجعل الفرد يبحث عن وسيلة يحتمي بها، فلا يجد بدًا من تصور أشياء ومخلوقات غيبية، وهكذا يلجأ إلى زيارة بعض الأماكن والذهاب إلى بعض الخواص من أفراد المجتمع لاعتقاده بأن لديهم القوة الخارقة التي تبرئه من أسقامه، أو تعينه على تحقيق آماله، والأساطير والخرافات الشعبية التي تحكي عن مثل هذا الاعتقاد كثيرة جدًّا، ذلك لأن المعتقدات الشعبية ترتبط ارتباطًا وثيقًا بالتقاليد السائدة في المجتمع.
سادسًا: المقتنيات وفنون التشكيل الشعبي، ويقصد بها الجانب المادي من الثقافة الشعبية “المأثورات الشعبية”، وهو كل ما يتصل بمظاهر الإنتاج المهني “الحرفي” مثل: الصناعات التقليدية التي يظهر فيها الإبداع الشعبي جليًّا واضحًا، ومنها الصناعات القائمة على الطين والخشب وأوراق الأشجار والخوص، وكذلك الصناعات الجلدية وصناعة الغزل والنسيج والأدوات النحاسية والجلدية، كما يضم هذا الجانب أدوات الزينة وجميع النقوش والرسومات التي تظهر في كل هذه الصناعات، إضافة إلى فن العمارة وأثاث المنازل وطرق تزيينها وغير ذلك، أي كل ما يتصل بإنتاج العقلية الشعبية من مواد ملموسة أو لمسات منظورة ومحسوسة.
