مقالات الرأي

ليبيا بين الانقسام السياسي وتوحيد الدولة: متى يصبح الاستقرار مشروعًا وطنيًّا؟


بقلم/ عادل الزياني

تاريخها السياسي وهي لا تزال تواجه السؤال ذاته الذي رافقها لسنوات: متى تصبح الدولة واحدة بمؤسساتها، وجيشها، وحكومتها، وقرارها السياسي؟

ورغم مرور سنوات طويلة على الانقسام، وتعدد المبادرات والحوارات والاتفاقات، ما زالت ليبيا تعاني حالة من التشظي السياسي والمؤسسي انعكست بصورة مباشرة على حياة المواطن، وعلى الاقتصاد، والأمن، والخدمات العامة، وعلى قدرة الدولة على بناء مستقبل مستقر.

إن جوهر الأزمة الليبية لم يعد مجرد خلاف بين أطراف سياسية، بل أصبح مرتبطًا بغياب مشروع وطني واضح يعيد بناء الدولة على أساس مؤسسات موحدة، وقواعد دستورية وقانونية تحظى بقبول واسع، وإرادة سياسية قادرة على تجاوز الحسابات الضيقة.

توحيد الجيش.. بداية الطريق

لا يمكن الحديث عن دولة مستقرة في ظل وجود مؤسسات عسكرية وأمنية منقسمة أو مرتبطة بمراكز نفوذ متعددة، فالجيش الوطني في مفهوم الدولة الحديثة، ليس مؤسسة تابعة لحزب أو منطقة أو تيار سياسي، وإنما مؤسسة وطنية مهمتها حماية حدود البلاد وسيادتها وأمن مواطنيها.

ولهذا فإن توحيد المؤسسة العسكرية لا ينبغي أن يكون مجرد شعار سياسي يُرفع في المناسبات، بل مشروعًا وطنيًا طويل المدى يقوم على المهنية، والانضباط، والاحتكام إلى القانون، ورفض استخدام القوة في الصراع السياسي.

إن بناء جيش موحد لا يعني إقصاء طرف أو انتصار منطقة على أخرى، وإنما يعني أن يكون السلاح تحت مظلة الدولة، وأن يكون القرار العسكري قرارًا وطنيًّا لا يخضع للتجاذبات السياسية.

حكومات متعددة.. ودولة واحدة

من أكثر المفارقات التي تعيشها ليبيا أن الجميع يتحدث عن ضرورة بناء الدولة، بينما لا تزال البلاد تعاني الانقسام في السلطة التنفيذية والمؤسسات التابعة لها.

وتعدد الحكومات لا يؤدي فقط إلى إرباك المشهد السياسي، بل ينعكس على المواطن مباشرة؛ إذ تتعدد القرارات والميزانيات والسياسات، وتصبح مؤسسات الدولة في بعض الأحيان جزءًا من الصراع بدل أن تكون أدوات لخدمة المجتمع.

ليبيا لا تحتاج إلى حكومات أكثر، بقدر ما تحتاج إلى حكومة واحدة ذات شرعية واضحة، ومؤسسات تعمل وفق القانون، وبرنامج محدد، ورقابة حقيقية، ومدة زمنية معلومة للوصول إلى الاستحقاق الانتخابي.

كما أن إصلاح الوزارات والمؤسسات العامة أصبح ضرورة لا تحتمل التأجيل. فالدولة لا تُبنى بكثرة المناصب، وإنما بكفاءة المؤسسات ووضوح اختصاصاتها وربط المسؤولية بالمحاسبة.

الانتخابات.. ليست مجرد صندوق اقتراع

يتطلع الليبيون إلى الانتخابات باعتبارها الطريق الطبيعي لإنهاء المراحل الانتقالية المتكررة، لكن الانتخابات وحدها لن تكون حلًّا سحريًّا إذا لم تسبقها معالجة حقيقية للقضايا التي قد تعيد إنتاج الأزمة.

فالانتخابات الناجحة تحتاج إلى قاعدة دستورية وقانونية واضحة، ومؤسسات انتخابية قادرة على العمل باستقلالية، وضمانات أمنية، وقبول سياسي بنتائج الصندوق.

الأهم من ذلك أن تكون الانتخابات وسيلة لتجديد الشرعية، لا وسيلة جديدة لإنتاج الانقسام.

لقد أثبتت التجربة أن تأجيل الانتخابات لا يؤدي بالضرورة إلى حل الخلافات، بل قد يمنحها مزيدًا من الوقت للتعقيد. وفي المقابل، فإن إجراء انتخابات دون توافقات وضمانات أساسية قد يقود إلى أزمة جديدة حول النتائج والشرعية.

ولهذا فإن المطلوب هو الذهاب إلى انتخابات نزيهة وشفافة في إطار قانوني ودستوري واضح، مع التزام جميع الأطراف مسبقًا باحترام نتائجها.

ليبيا لا تحتاج إلى منتصر ومهزوم

المعادلة التي تحتاجها ليبيا اليوم ليست: من ينتصر على من؟ بل: كيف تنتصر الدولة على الانقسام؟

فلا يمكن لأي مدينة أو منطقة أو تيار سياسي أن يبني ليبيا منفردًا، كما لا يمكن لأي طرف أن يفرض مشروعه على بقية الليبيين إلى الأبد.

إن المصالحة الوطنية الحقيقية لا تعني نسيان الماضي، ولا تعني غياب المساءلة، وإنما تعني بناء آليات قانونية وسياسية تسمح بطي صفحة الصراع المسلح والانتقال إلى مرحلة المؤسسات.

والمطلوب اليوم أن تدرك النخب السياسية والعسكرية أن استمرار الانقسام قد يمنح بعض الأطراف نفوذًا مؤقتًا، لكنه يضعف الدولة ويؤجل المستقبل للجميع.

السؤال الحقيقي

ربما لم يعد السؤال: متى ستتوحد ليبيا؟

بل أصبح السؤال الأكثر أهمية: هل توجد إرادة حقيقية لدى القوى السياسية والاجتماعية والعسكرية للاتفاق على شكل الدولة التي يريدها الليبيون؟

إن توحيد الجيش، وإنهاء الانقسام الحكومي، وإعادة تنظيم مؤسسات الدولة، ووضع قاعدة دستورية مستقرة، وإجراء انتخابات نزيهة، ليست ملفات منفصلة؛ إنها حلقات مترابطة في مشروع واحد اسمه بناء الدولة الليبية.

وفي النهاية، لن تنجح أي مبادرة سياسية إذا بقيت الدولة رهينة المصالح المؤقتة، ولن تنجح الانتخابات إذا ظل السلاح خارج إطار الدولة، ولن ينجح توحيد المؤسسات إذا استمر الصراع على الشرعية.

ليبيا اليوم بحاجة إلى لحظة سياسية شجاعة، تتراجع فيها الحسابات الشخصية والحزبية والمناطقية أمام المصلحة الوطنية.

فالليبيون لا يريدون دولة مؤقتة إلى الأبد، ولا حكومات تتغير بينما يبقى الانقسام، ولا مؤسسات متعددة تتنافس على القرار؛ بل يريدون دولة واحدة، وجيشًا واحدًا، وحكومة واحدة، ومؤسسات واحدة، وانتخابات تمنح السلطة شرعيتها من الشعب.

وهذا هو التحدي الحقيقي الذي يقف أمام ليبيا: الانتقال من إدارة الأزمة إلى إنهائها، ومن تقاسم السلطة إلى بناء الدولة.

زر الذهاب إلى الأعلى