مقالات الرأي

ذكرى المجد



بقلم/ عبد الله ميلاد المقري

تقترب المشاعل من أن تضيء الدروب، وتعانق سماء الوجود في حضرة التاريخ وصفاء القلوب. أيها المتقدمون على كسر الحواجز، لم يعد النظر إلى الوراء حلمًا من أحلام اليقظة؛ فهنا تولد اللحظة الحقة، وتفرغ نورها ليعمّ الكون.

إن اللحظة الآنية تعيد تقييم الذاكرة، وتحتضن المجد، وتعيد إضاءة لحظة البعث القادم لكسر القيد. فالوجود ليس للنكوص، ولا مكان للتكاسل عن الإقدام؛ فالتاريخ طعم الإقدام، والتراجع مكمن الهوان. لم يعد في مقدورنا أن نصبر أكثر على هذه المصائب، ولا أسوأ من هذا التخاذل الذي أثقل الأرواح وأطفأ كثيرًا من المشاعل. ومع اقتراب ذلك اليوم الذي بزغت فيه الحرية، وكتبت بيد شبابها تاريخ المجد، وأروت هضاب الوطن وشعابه بالحياة بعد جفاف حاد كاد يفقد الغيث معناه، تتجدد الذكرى، ويتجدد معها العزم. فالذكرى لا تموت في قلوب من يحملون مشاعل الحياة، ولا قربان في ذلك إلا معانقة عزيمة الشعب، مشحونة بهتاف الشباب، وزغاريد النسوة، ودموع الفرح التي تختلط بتراب الوطن. وهناك، في المشهد الذي لا يغيب عن الذاكرة، شيخ يتكئ على عصاه، لكنه لا يتكئ على الضعف؛ يحمل في صوته نصرًا يمتد من فوق القلعة الخضراء، ويردد بحنجرة أرهقها الزمن، وقلب لم يُرهقه الأمل، نشيد الوطن وذكريات الرجال. وفي تلك اللحظة، يبدو الوطن كأنه يستعيد صوته القديم؛ لا ليبكي ما مضى، وإنما ليقول إن البلاد التي أنجبت رجالها ونساءها وشبابها قادرة على أن تستعيد عافيتها، وأن تفتح أبواب المستقبل.

فيا بلدًا علّم أبناءه أن الأرض ليست مجرد تراب، وأن الوطن ليس حدودًا على خارطة، بل ذاكرة وكرامة وراية وحكاية أجيال؛ يا بلدًا مهما أثقلته السنوات، بقي في قلب أبنائه بلد الطيوب. ولعل أجمل ما في الذكرى أنها لا تعيدنا إلى الماضي فحسب، بل تدفعنا إلى المستقبل. فالمشاعل التي أضاءت الدروب ذات يوم، ليست ملكًا لجيل مضى، وإنما أمانة في أيدي جيل يأتي؛ يحملها من يد إلى يد، حتى لا تنطفئ شعلة الحرية، ولا تضيع من الذاكرة ملامح ذلك اليوم الذي كتب فيه الوطن صفحة من صفحات مجده. وهكذا تظل ليبيا، رغم ما أصابها، قادرة على أن تنهض من بين الركام.

زر الذهاب إلى الأعلى