ثرثرة فوق الفيسبوك

بقلم/ محمد بوخروبة
في كل عام حين تحل ذكرى نجيب محفوظ نعود إلى صوره القديمة، إلى القاهرة التي كتبها بحبر لا يزال طازجًا، وإلى رواياته التي ظننا يومًا أنها تحكي عن زمن مضى، فإذا بها كلما قرأناها من جديد تبدو كأنها كتبت بالأمس.
نبحث عن محفوظ بين أوراقه وكتبه، لكن ربما كان الأجدى أن نبحث عنه بيننا في هذا العالم الافتراضي الصاخب الذي صار فيه الجميع يتحدث بينما يقل عدد الذين يستمعون، ولو أن نجيب محفوظ عاش إلى يومنا هذا لربما ترك مقهى القاهرة وعوامة النيل وفتح هاتفه ثم جلس طويلًا يتأمل ذلك المشهد العبثي الذي صنعته وسائل التواصل الاجتماعي، ملايين الأصوات تتدافع في اللحظة نفسها، وكل صوت يعتقد أنه الحقيقة، وكل طرف يظن أن ارتفاع صوته دليل على صواب موقفه.
في ثرثرة فوق النيل لم تكن الثرثرة مجرد كلام يقال لقتل الوقت، بل كانت حالة اجتماعية كاملة، هروبًا من مواجهة الواقع واستبدالًا للفعل بالكلام وللمسؤولية بالتبرير وللحقيقة بوهم مريح يسمح للإنسان بأن يواصل حياته دون أن يسأل نفسه ماذا فعلت؟
كان النهر يتحرك تحت العوامة، بينما بقي الذين فوقها أسرى مكانهم، وهذه الصورة بعد عقود من رحيل محفوظ تبدو شديدة القرب من المشهد الليبي.
لقد انتقلت العوامة من فوق النيل إلى شاشات الهواتف، وانتقلت الثرثرة من مجموعة محدودة من الأشخاص إلى فضاء مفتوح يضم ملايين البشر، لكن المفارقة أن التكنولوجيا التي وعدتنا ذات يوم بأنها ستقرب المسافات، لم تجعلنا بالضرورة أكثر قربًا من الحقيقة، لقد جعلتنا أسرع في الكلام وأبطأ في الفهم وأكثر قدرة على إطلاق الأحكام وأقل استعدادًا لمراجعة أنفسنا.
في ليبيا يكاد الفضاء الافتراضي يكون مرآة مكبرة للأزمة التي يعيشها المجتمع منذ سنوات، انقسام سياسي ومؤسسات متوازية وخطابات متعارضة وذاكرة مثقلة بالحروب، وجغرافيا مشدودة بين شرق وغرب وجنوب، ثم تأتي مواقع التواصل الاجتماعي لتمنح كل هذا الانقسام مكبر صوت لا يتوقف.
صار لكل مدينة روايتها ولكل تيار روايته ولكل جماعة حقيقتها الخاصة، حتى أصبح الليبي أحيانا يفتح هاتفه فيجد وطنه وقد انقسم إلى عشرات الأوطان الصغيرة، كل وطن منها يعيش داخل شاشة وله أبطاله وأعداؤه وشعاراته ومظلومياته.
الكلام حق والاختلاف طبيعي والنقاش العام ضرورة لأي مجتمع يريد أن يتعافى، لكن الخطر يبدأ عندما يتحول الكلام إلى بديل عن التفكير، وعندما يصبح الجدل غاية في ذاته، وعندما تصبح المنصة أهم من القضية، والمتابعون أهم من الحقيقة والانتصار على الخصم أهم من الوصول إلى حل.
وهنا يصبح فيسبوك في الحالة الليبية أشبه بعوامة محفوظية ضخمة، تدور فيها الأحاديث بلا نهاية، بينما النهر الحقيقي أي الوطن يمضي تحتنا.
نتجادل حول السياسة ثم نتجادل حول من يحق له أن يتحدث عن السياسة، نتجادل حول الماضي ثم نختلف حول تفسير الماضي، نختلف حول الشخصيات ثم نتحول إلى معسكرات للدفاع عن الأشخاص، حادثة صغيرة قد تشعل آلاف التعليقات، وتصريح عابر قد يتحول إلى معركة وطنية، وصورة قد تستخدم لتوزيع تهم الخيانة والعمالة والفساد، وكأن البلاد لا تحتاج إلى مؤسسات وقوانين ومشروعات، وإنما تحتاج فقط إلى مزيد من التعليقات.
وفي هذا المناخ أصبح الترند أحيانًا أقوى من الخبر، والانفعال أقوى من المعلومة والشائعة أسرع من الحقيقة.
المؤسف أن جزءًا من النقاش الليبي على مواقع التواصل لم يعد يبحث عن الحقيقة بقدر ما يبحث عن تأكيد ما نؤمن به مسبقًا، إذا جاءت المعلومة في صالحنا صدقناها فورًا، وإذا جاءت ضد موقفنا بحثنا عن عشرات الأسباب لرفضها، وهكذا لا تعود الحقيقة هي المعيار، بل يصبح المعيار هو من قالها وإلى أي معسكر ينتمي.
لقد أصبح لدينا في بعض الأحيان مجتمع رقمي لا يشبه المجتمع الحقيقي، الموظف الذي كان يبحث عن مكانته الاجتماعية أصبح اليوم يبحث عن الإعجابات، والشخص الذي كان يريد أن يسمعه الآخرون أصبح يقيس قيمته بعدد المشاركات والتعليقات، والذي كان يهرب من واقعه إلى جلسات الثرثرة صار يهرب إلى هاتفه، والذي كان يخشى مواجهة نفسه وجد في العالم الافتراضي مساحة مثالية يستطيع فيها أن يصنع نسخة أخرى من ذاته.
الدول تبنى حين يتحول الكلام إلى عمل، والاعتراض إلى مشروع، والنقد إلى اقتراح، والاختلاف إلى منافسة سياسية سلمية، والغضب إلى ضغط مدني منظم، والأمل إلى مؤسسات.
في ثرثرة فوق النيل، كان هناك نهر يتحرك بينما الشخصيات ثابتة، وفي ليبيا اليوم تتحرك المنشورات بسرعة مذهلة، تتغير الأخبار كل دقيقة، ويتبدل الترند كل ساعة، بينما تظل بعض أزماتنا الأساسية في مكانها منذ سنوات.
متى يصبح المواطن شريكًا في صناعة الدولة لا مجرد متفرج على صراعاتها، متى نخرج من منطق معي أو ضدي إلى منطق مختلف معك لكنك شريكي في الوطن، متى يصبح الاختلاف السياسي منافسة لا خصومة، والمعارضة وظيفة وطنية لا تهمة، والانتقاد وسيلة للإصلاح لا مقدمة للتخوين.
ربما لو كتب نجيب محفوظ اليوم رواية بعنوان ثرثرة فوق الفيسبوك لما احتاج إلى تغيير الكثير، كان سيضع شخصياته أمام الهواتف بدل العوامة، ويتركهم يتحدثون ويتجادلون ويغضبون ويضحكون ويتهمون بعضهم بعضًا، بينما يمر الوطن من خلف الشاشة دون أن ينتبه إليه أحد.
في ذكرى نجيب محفوظ ربما لا نحتاج فقط إلى إعادة قراءة رواياته، بل إلى إعادة قراءة أنفسنا من خلالها، فمحفوظ لم يكن يكتب عن القاهرة وحدها، ولم تكن العوامة مجرد مكان في رواية، بل كانت رمزًا لإنسان يستطيع أن يرى الواقع يتحرك أمامه ثم يختار أن يواصل الكلام.
ربما كانت عبارة محفوظ الشهيرة في الشحاذ.. ما أجمل كل زمان باستثناء الآن تبدو ساخرة في ظاهرها، لكنها تصبح أكثر قسوة حين نقرؤها في زمننا.
فكل جيل يعتقد أن زمنه هو الأسوأ ثم يكتشف أن المشكلة لم تكن دائمًا في الزمن، وإنما في الإنسان الذي يعيش داخله،
ربما كان سيكتب عن وطن جميل أنهكته الخصومات، وعن شعب يريد أن يعيش، لكنه علق طويلًا في نقاشات لا تنتهي، وعن أجيال تتحدث عن المستقبل بينما تحمل على أكتافها أثقال الماضي، وربما كان سيترك الرواية مفتوحة النهاية كما فعل كثيرًا، ثم يكتفي بأن يطل من نافذته على النهر، النهر يمضي والوقت يمضي، والبلاد لا تنتظر أحدًا.
أما نحن فإذا ظللنا فوق عوامة الثرثرة، نختلف حول اتجاه النهر بدل أن نتعلم كيف نعبره، فقد نكتشف يومًا أن كل ما كتبناه على شاشاتنا لم يكن إلا ضجيجًا طويلًا، وأن الوطن كان يحتاج منا شيئًا أبسط وأصعب، أن ننهض من مقاعد المتفرجين وننزل إلى الحياة.
