المقاومة اللبنانية بين واقع إقليمي متردٍّ والصبر الاستراتيجي- الجزء الثاني

بقلم/ محمد نبيغ
حين تواجه الدولة المستقبل.. الإنسان والمقاومة والمجتمع: إن قراءة أي تجربة عسكرية أو سياسية في لبنان، بمعزل عن الدولة والمجتمع، هي قراءة مبتورة. فالمقاومة تمثل الجناح القتالي الذي نشأ في مواجهة الاحتلال، بينما الدولة هي الإطار الجامع للسيادة والقانون والعلاقات الدولية، والمجتمع هو الرئة التي تتنفس منها الدولة والمقاومة على حد سواء، وهو الذي يدفع الكلفة الإنسانية والاقتصادية الكبرى في النهاية.
وهنا تكمن المعضلة المركزية: إذا تحوَّلت قدرات المقاومة إلى عبء استنزافي على الاقتصاد والحياة اليومية، خسرت شرعيتها الاجتماعية؛ وإذا عجزت الدولة عن حماية مواطنيها وسيادتها، خسرت شرعيتها الوطنية. لكن الواقع اللبناني يضيف طبقة ثالثة من التعقيد، وهي الانقسام الداخلي الحاد حول أولويات الوطن؛ فثمة من يرى في سلاح المقاومة درعًا واجبًا، وثمة من يراه قيدًا يثقل كاهل الدولة ويهدد علاقاتها العربية والدولية. هذا الانقسام، إن لم يُدر بحكمة، يحول دون بناء الصبر المجتمعي المطلوب، ويجعل النصر الميداني هشًّا أمام الانكسار السياسي الداخلي.
لذا، فإن المعادلة الأكثر استقرارًا لا تقوم على إلغاء أحد الطرفين، بل على تكامل يحفظ للبنان قدرته الردعية، دون أن يحوّله إلى ساحة حرب دائمة، ويصون مؤسسات الدولة، دون أن يجعلها عاجزة أمام التهديدات الخارجية. وهذا التكامل يستوجب حوارًا وطنيًّا صريحًا حول “العقد الدفاعي” الجديد، يحدد متى تكون المقاومة خاضعة للقرار الرسمي، ومتى يحق لها الاستقلالية في الدفاع عن الأرض في لحظة الطوارئ القصوى. فالقرار المزدوج، إن لم يُحسم في السلم، سيكون كارثة في الحرب.
الحصار الشامل: معركة متعددة الطبقات والأبعاد الاقتصادية: لم تعد الحروب الحديثة مجرد مواجهات مباشرة بين جيشين في ميدان مكشوف، بل تحولت إلى صراعات مركبة تمزج بين العمليات العسكرية، والحرب الاستخباراتية، والحصار الاقتصادي، والحرب النفسية والإعلامية، والضغوط التكنولوجية، والاستهداف الاجتماعي. وهنا، لا يستهدف الحصار السلاح فحسب، بل يستهدف قدرة المجتمع على الصمود، وقدرة القيادة على التمسك بالقرار، وقدرة الدولة على تدبير مواردها. فهو يهدف إلى تحويل القوة العسكرية إلى أزمة معيشية، وتحويل الأزمة المعيشية إلى ضغط سياسي، وتحويل الضغط السياسي إلى انهيار في الإرادة.
ولذلك، فإن المواجهة الناجحة لا تعتمد على السلاح وحده، بل تتطلب اقتصادًا صامدًا يعتمد على التنويع في مصادر التموين والطاقة، ودورانًا نقديًّا يحافظ على قيمة العملة، ومخزونًا استراتيجيًّا من الغذاء والدواء، وأنظمة مقايضة مبتكرة تلتف على العقوبات. كما تتطلب تماسكًا اجتماعيًّا يتجاوز الخلافات الطائفية، ومرونة سياسية تسمح بامتصاص الصدمات، ومؤسسات قادرة على إدارة الأزمات المالية والإدارية بالتزامن مع إدارة المعركة العسكرية. فالانتصار في حرب اليوم لا يُختصر في إسقاط طائرة أو تدمير دبابة، بل في قدرة الدولة على الاستمرار في دفع الرواتب وتأمين الكهرباء والخبز، رغم قسوة القصف والحصار. إن إدارة الاقتصاد في زمن الحرب أصبحت سلاحًا موازيًا للسلاح الناري، بل قد تكون أكثر تأثيرًا في تحديد هوية المنتصر النهائي.
الصبر الاستراتيجي.. إدارة الزمن كسلاح وجودي: في خضم هذه الحرب غير المتناظرة، يبرز الصبر الاستراتيجي كعنصر فاعل لا يقل أهمية عن القوة النارية. والصبر الاستراتيجي ليس سلبية أو انتظارًا، بل هو فن إدارة الزمن، والقدرة على تحويل مرور الأيام من ورطة إلى فرصة. فالطرف الذي يستطيع تحمُّل الضغط، والحفاظ على تماسكه الداخلي، ومنع خصمه من تحقيق أهدافه المعلنة، يقلب الطاولة على معادلات القوة؛ إذ يجد الخصم الأكثر تفوقًا تكتيكيًّا نفسه أمام خصم يحوِّل كل لحظة تمرُّ إلى خسارة سياسية معاكسة على الصعيدين الداخلي والدولي.
لكن الصبر لا يكون استراتيجيًّا إلا إذا قُدِّم بذكاء؛ بمعنى ألا يتحول إلى استنزاف أعمى، بل أن يُستخدم لكسب الوقت لإعادة بناء الموقف السياسي والعسكري، وتحسين شروط التفاوض، ومنع الخصم من فرض وتيرته الخاصة. إنها معركة الأعصاب التي تُربك التفوق التكنولوجي، وتُظهر أن امتلاك الأسلحة الأسرع لا يعني امتلاك الوقت الأطول، وأن التقدم التقني لا يُعوّض عن غياب الصبر الجماعي في لحظة المحك. الصبر الاستراتيجي هو فن تحويل الدقائق إلى سنوات عطاء، وتحويل سنوات الحصار إلى فرص لإعادة التشكيل والبناء.
