ملفات وتقارير

مرضى غسيل الكلى في ليبيا.. حين يصبح العلاج رحلة شاقة للبقاء على قيد الحياة

ناصر سعيد

في كل صباح، يغادر مريض الفشل الكلوي منزله وهو يدرك أن بقاءه على قيد الحياة مرتبط بجلسة غسيل تستغرق ساعات طويلة. لا يملك خيارًا آخر، فالعلاج بالنسبة له ليس موعدًا طبيًّا يمكن تأجيله، وإنما هو الفاصل بين الحياة والموت.

لكن ما يضاعف قسوة المرض في ليبيا أن رحلة العلاج نفسها أصبحت مصدرًا للقلق والخوف. فإلى جانب المعاناة الجسدية والنفسية التي يفرضها الفشل الكلوي، يواجه المرضى تحديات أخرى تتمثل في شكاوى متكررة من نقص بعض الأدوية والمستلزمات الطبية، وتعطل الأجهزة في بعض المراكز، والضغط المتزايد على الوحدات الصحية التي تستقبل أعدادًا كبيرة من المرضى يوميًّا.

لم تعد هذه الأزمة مجرد حديث داخل أروقة المستشفيات، بل تحولت إلى قضية رأي عام، بعد أن لجأ المرضى وذووهم إلى مواقع التواصل الاجتماعي لإطلاق نداءات استغاثة متكررة، مطالبين بتدخل عاجل يضمن استمرار العلاج دون انقطاع.

مرض لا ينتظر

الفشل الكلوي من الأمراض المزمنة التي تتطلب برنامجًا علاجيًّا منتظمًا، ويحتاج المريض في العادة إلى ثلاث جلسات غسيل أسبوعيًّا، تستغرق كل منها عدة ساعات، إضافة إلى أدوية ومتابعة مستمرة.

ويؤكد أطباء مختصون أن أي اضطراب في هذا البرنامج قد يؤدي إلى مضاعفات صحية خطيرة، تشمل ارتفاع نسبة السموم في الدم، واضطرابات القلب، واحتباس السوائل، وقد يصل الأمر إلى تهديد حياة المريض.

ولهذا فإن توفير مستلزمات الغسيل والأدوية ليس مسألة تنظيم إداري، بل ضرورة طبية لا تقبل التأخير.

شكاوى تتكرر

خلال الأشهر الماضية، تكررت شكاوى المرضى من نقص بعض الأدوية والمستهلكات الطبية، ومن تأخر وصول الإمدادات إلى بعض مراكز الغسيل، الأمر الذي خلق حالة من القلق لدى المرضى وأسرهم.

ويرى كثير من المرضى أن المشكلة أصبحت متكررة، وأن الحلول التي تعلن بين حين وآخر لا تعالج جذور الأزمة، بل تؤجلها لفترات قصيرة قبل أن تعود من جديد.

ويقول عدد من ذوي المرضى إن أكثر ما يؤلمهم هو شعورهم بعدم الاستقرار، فلا أحد يستطيع أن يطمئنهم بأن العلاج سيظل متوفرًا بصورة منتظمة خلال الأسابيع أو الأشهر المقبلة.

ضغط على المراكز

في العديد من المدن الليبية، تعمل مراكز غسيل الكلى تحت ضغط كبير، نتيجة ارتفاع أعداد المرضى مقارنة بعدد الأجهزة والإمكانات المتاحة.

ويؤدي هذا الضغط إلى ازدحام المراكز، وامتداد ساعات العمل، وإرهاق الكوادر الطبية والتمريضية التي تبذل جهودًا كبيرة للحفاظ على استمرار الخدمة رغم محدودية الإمكانات.

ويؤكد عاملون في القطاع الصحي أن الأطباء والممرضين ليسوا سبب الأزمة، بل هم أول من يواجه آثارها يوميًّا، إذ يجدون أنفسهم أمام مرضى يحتاجون إلى العلاج، بينما الإمكانات المتاحة لا تلبي الاحتياجات بالشكل المطلوب.

أعباء إضافية على الأسر

لا تتوقف معاناة المرضى عند حدود المركز الطبي، بل تمتد إلى أسرهم التي تتحمل أعباء مالية ونفسية كبيرة.

فالكثير من المرضى يحتاجون إلى وسائل نقل خاصة للوصول إلى مراكز الغسيل ثلاث مرات أسبوعيًّا، بينما يضطر آخرون إلى شراء بعض الأدوية أو المستلزمات من الصيدليات الخاصة عندما تتوفر لديهم القدرة المالية.

أما المرضى الذين لا يستطيعون تحمل هذه النفقات، فيبقون أسرى انتظار الحلول، في مشهد يعكس حجم التحديات التي تواجه هذه الفئة.

الحاجة إلى إدارة أكثر كفاءة

يرى متخصصون في الإدارة الصحية أن أزمة غسيل الكلى لا يمكن حلها بردود فعل مؤقتة، وإنما تحتاج إلى خطة وطنية متكاملة تقوم على التقدير الدقيق لعدد المرضى واحتياجاتهم، وتأمين مخزون استراتيجي من الأدوية والمستلزمات، وصيانة الأجهزة بصورة دورية، وتوزيع الموارد بعدالة بين مختلف المناطق

كما يؤكدون أهمية وجود منظومة رقابية فعالة تتابع حركة الإمدادات الطبية، وتضمن وصولها إلى جميع المراكز في الوقت المناسب، مع نشر بيانات دورية تعزز الشفافية وتوضح للرأي العام واقع هذا الملف.

الحق في العلاج

تكفل المواثيق الدولية والتشريعات الوطنية حق الإنسان في الحصول على الرعاية الصحية المناسبة، ويعد مرضى الفشل الكلوي من أكثر الفئات احتياجًا لهذا الحق، لأن استمرار حياتهم مرتبط مباشرة باستمرار العلاج، ومن هذا المنطلق، فإن أي قصور في توفير متطلبات العلاج لا يمثل مجرد خلل إداري، بل قضية إنسانية تستوجب معالجة عاجلة ومسؤولية واضحة.

مطالب المرضى

يطالب المرضى وذووهم بعدد من الإجراءات العاجلة، أبرزها:

– ضمان توفير الأدوية والمستلزمات الطبية دون انقطاع.

– صيانة أجهزة الغسيل وتحديثها بصورة دورية.

– دعم مراكز الكلى بالكوادر الطبية والفنية اللازمة.

– وضع آلية واضحة وسريعة للاستجابة لشكاوى المرضى.

– نشر تقارير دورية حول توافر الأدوية والإمدادات الطبية.

– إجراء مراجعة شاملة لأداء الجهات المسؤولة عن إدارة ملف غسيل الكلى ومحاسبة أي جهة يثبت تقصيرها وفقًا للقانون.

صرخة تنتظر الاستجابة

بعيدًا عن لغة الأرقام والإحصاءات، تبقى الحقيقة الأهم أن خلف كل جهاز غسيل كلى إنسانًا يحلم بحياة طبيعية، وأسرة تنتظر عودته سالمًا بعد كل جلسة علاج.

إن استمرار معاناة هؤلاء المرضى لا ينبغي أن يتحول إلى مشهد اعتيادي، فحقهم في العلاج ليس مطلبًا استثنائيًّا ولا منحة من أحد، بل واجب قانوني وأخلاقي وإنساني يقع على عاتق مؤسسات الدولة كافة.

ويبقى الأمل معقودًا على تحرك جاد وسريع يضع حدًّا لهذه الأزمة، ويعيد الثقة إلى المرضى بأن حياتهم وصحتهم تحتلان المكانة التي تستحقانها في أولويات الدولة، وأن معاناتهم لن تبقى مجرد صرخات تتردد في أروقة مراكز العلاج أو على صفحات مواقع التواصل الاجتماعي، بل ستكون بداية لإصلاح حقيقي يضمن لهم العلاج الكريم والحياة الآمنة.

ملف غسيل الكلى في ليبيا.. مرضى بين الحاجة إلى العلاج وأزمة الإدارة

“إذا تأخرت جلسة الغسيل أو لم تتوفر الأدوية، فإن حياتنا تصبح على المحك”.

بهذه الكلمات يختصر أحد مرضى الفشل الكلوي واقع آلاف الليبيين الذين يخوضون معركة يومية مع مرض مزمن لا يمنحهم فرصة للتأجيل أو الانتظار. فثلاث مرات أسبوعيًّا، يرتبط بقاؤهم على قيد الحياة بجهاز غسيل الكلى، وبمنظومة صحية يفترض أن توفر لهم العلاج بصورة منتظمة وآمنة.

لكن هذه المنظومة تواجه، بحسب شكاوى المرضى وذويهم، تحديات متكررة تتعلق بتوفير بعض الأدوية والمستهلكات الطبية، وصيانة الأجهزة، والقدرة الاستيعابية للمراكز، ما جعل ملف غسيل الكلى واحدًا من أكثر الملفات الصحية حساسية في ليبيا.

العلاج ليس رفاهية

يؤكد أطباء الكلى أن مريض الفشل الكلوي لا يستطيع تعويض جلسة غسيل فائتة، ولا يمكنه الاستغناء عن الأدوية المصاحبة للعلاج. فهذه الجلسات تؤدي وظيفة الكليتين في تنقية الدم من السموم والسوائل الزائدة، وأي اضطراب في انتظامها قد يؤدي إلى مضاعفات خطيرة، وقد يهدد حياة المريض.

ولهذا فإن توفير مستلزمات الغسيل يمثل خط الدفاع الأول عن حياة المرضى، وليس مجرد بند في موازنة صحية.

شكاوى تتكرر.. فمن المسؤول؟

من خلال متابعة ما ينشره المرضى وأسرهم، تتكرر شكاوى تتعلق بنقص بعض الأدوية، وتأخر وصول الإمدادات، والضغط على بعض المراكز، وتعطل أجهزة تحتاج إلى الصيانة أو الإحلال.

وتثير هذه الشكاوى مجموعة من الأسئلة المشروعة:

– هل تعود الأزمة إلى ضعف التخطيط؟

– أم إلى تأخر إجراءات التوريد؟

– أم إلى قصور في إدارة المخزون والتوزيع؟

– وهل توجد منظومة رقابة فعالة تتابع حركة الأدوية والمستلزمات حتى وصولها إلى المرضى؟

هذه أسئلة تنتظر إجابات رسمية واضحة، لأن غياب المعلومات الدقيقة يفتح الباب أمام الشائعات ويفقد المواطنين الثقة في المؤسسات.

أين تذهب الميزانيات؟

تنفق الدولة سنويًّا مبالغ كبيرة على القطاع الصحي، ويُفترض أن يحظى مرضى الفشل الكلوي بأولوية، نظرًا لأن علاجهم لا يحتمل الانقطاع.

ومن هنا تبرز الحاجة إلى قدر أكبر من الشفافية، عبر إعلان بيانات دورية توضح:

– حجم المخصصات المالية لبرامج غسيل الكلى.

– كميات الأدوية والمستلزمات التي تم التعاقد عليها.

– آليات توزيعها على المراكز.

– حجم الاحتياطي الاستراتيجي.

– خطط الصيانة والتطوير.

فالشفافية لا تهدف إلى توجيه الاتهامات، بل إلى بناء الثقة وتعزيز المساءلة.

المراكز الطبية تحت الضغط

تشير معطيات الواقع إلى أن عددًا من مراكز غسيل الكلى يعمل بطاقته القصوى، مع ازدياد أعداد المرضى وارتفاع الطلب على الخدمة.

وفي المقابل، تبذل الكوادر الطبية والتمريضية جهودًا كبيرة للحفاظ على استمرار العلاج، رغم محدودية الإمكانات، وهو ما يستدعي دعم هذه الكوادر وتوفير بيئة عمل مناسبة تمكنها من أداء واجبها.

المرضى يدفعون الثمن

الأزمة لا تقاس بعدد الأجهزة أو شحنات الأدوية، بل بما يعيشه المرضى وأسرهم من قلق دائم.

فكل نقص في دواء، أو تأخير في مستلزم، أو تعطل لجهاز، يعني ساعات إضافية من الانتظار، ومضاعفات صحية محتملة، وأعباء نفسية ومادية تثقل كاهل الأسر.

المطلوب اليوم

إن معالجة هذا الملف تتطلب إجراءات عملية، من بينها:

– إجراء مراجعة شاملة لمنظومة إدارة خدمات غسيل الكلى.

– إنشاء قاعدة بيانات وطنية محدثة لمرضى الفشل الكلوي واحتياجاتهم.

– توفير مخزون استراتيجي يكفي لعدة أشهر من الأدوية والمستهلكات.

– تعزيز الرقابة على التوريد والتوزيع.

– نشر تقارير دورية للرأي العام حول واقع الخدمات.

– فتح قنوات مباشرة لتلقي شكاوى المرضى ومعالجتها.

الحق في العلاج مسؤولية لا تحتمل التأجيل

إن قوة أي نظام صحي تُقاس بقدرته على حماية الفئات الأكثر هشاشة، ومرضى غسيل الكلى في مقدمة هذه الفئات. ولذلك فإن هذا الملف يحتاج إلى متابعة مستمرة، وحلول عملية، وتعاون بين الجهات المختصة، بعيدًا عن تبادل الاتهامات.

فالمريض لا ينتظر سجالًا إداريًّا، ولا يعنيه من يتحمل المسؤولية بقدر ما يعنيه أن يجد الدواء، وأن يعمل جهاز الغسيل في موعده، وأن يعود إلى أسرته بعد كل جلسة وهو مطمئن بأن علاجه لن ينقطع.

وعندما يصبح تأمين هذا الحق أولوية وطنية، يمكن القول إن الدولة قد أدت جزءًا من واجبها تجاه مواطنيها، وإن حياة الإنسان الليبي قد وُضعت فعلًا في مقدمة الاهتمام.

زر الذهاب إلى الأعلى