سوريا الجديدة سلطة غير شرعية بيد الخارج

تقرير – سيد العبيدي
تدخل سوريا مرحلة جديدة شديدة التعقيد، تتقاطع فيها الضربات الصهيونية مع أحاديث حول إعادة تشكيل الدولة والجيش السوري، والانفتاح الأمريكي على دمشق، والتنافس التركي الصهيوني على النفوذ، في مشهد يفتح الباب أمام أسئلة أكبر من مجرد الغارات الجوية أو التوغلات الحدودية.
خلال الأيام الأخيرة، كثف العدو الصهيوني عملياته العسكرية داخل الأراضي السورية، بالتزامن مع تحركات ميدانية في محافظتي درعا والقنيطرة، وصولًا إلى المناطق القريبة من الجولان المحتل. وفي 24 أغسطس، نفذت قوات صهيونية توغلًا في ريف درعا والقنيطرة، وأجرت عمليات تفتيش في قريتين، بعد يوم واحد فقط من اجتماع سوري صهيوني في الأردن خصص لبحث خفض التصعيد.
المشهد لا يبدو مجرد عمليات أمنية محدودة؛ فالكيان الصهيوني يعمل منذ سقوط النظام السوري على منع إعادة بناء قدرات عسكرية سورية يمكن أن تشكل تهديدًا له مستقبلًا، ويتعامل مع الجنوب السوري باعتباره منطقة أمنية شديدة الحساسية.
وفي أغسطس الجاري، قصف العدو الصهيوني قاعدة أبو الظهور الجوية في شمال سوريا، في ضربة قالت تقارير إنها استهدفت منع تمركز عسكري تركي محتمل داخل القاعدة. وأكد وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني أن دمشق كانت قد أبلغت الكيان بعدم وجود خطة لإقامة قاعدة تركية دائمة في الموقع، إلا أن الضربة نفذت رغم ذلك.
وهنا تظهر القضية الأساسية: الكيان لا يريد أن يرى جيشًا سوريًّا قويًّا، لكنه في الوقت نفسه لا يريد أن يترك فراغًا أمنيًّا يمكن أن تملأه تركيا أو إيران أو أي قوة أخرى.
لقاء الشيباني ورئيس الموساد
الأكثر إثارة في المشهد السوري ليس فقط ما يحدث على الأرض، وإنما ما يدور خلف الكواليس، فالاتصالات السورية الصهيونية أصبحت واقعًا سياسيًّا، في ظل وساطة أمريكية ومحاولات لمنع تحول الجنوب السوري إلى جبهة مفتوحة. وتأتي هذه الاتصالات بالتزامن مع لقاءات لمسؤولين سوريين وصهاينة، في الوقت الذي يواصل فيه الكيان الصهيوني عملياته العسكرية داخل الأراضي السورية.
هذه المفارقة تطرح سؤالًا مهمًّا: هل هناك تفاهم سوري إسرائيلي غير معلن، أم أن الاتصالات لا تتجاوز محاولة احتواء التصعيد؟ المؤكد حتى الآن هو وجود اتصالات ومحاولات لخفض التصعيد، وليس وجود اتفاق شامل يتيح للكيان حرية التحرك داخل سوريا. بل إن استمرار التوغلات والضربات بعد اجتماعات التهدئة يشير إلى أن الخلافات بين الطرفين لا تزال عميقة.
إلى ذلك، لا توجد مؤشرات قوية حول وجود صفقة سرية بين الجانبين، لكن في المقابل، لا يمكن تجاهل أن مجرد انتقال العلاقة من القطيعة والحرب إلى الاتصالات الأمنية المباشرة يمثل تحولًا استراتيجيًّا كبيرًا في الشرق الأوسط.
واشنطن ترفع سوريا من قائمة الإرهاب.. ما المقابل؟
في 24 أغسطس 2026، أعلنت الولايات المتحدة رسميًّا إلغاء تصنيف سوريا دولة راعية للإرهاب، بعد أن بقيت دمشق على القائمة منذ عام 1979. وقالت الخارجية الأمريكية إن القرار جاء بعد مراجعة رسمية، وإن إدارة الرئيس دونالد ترامب رأت في الخطوات التي اتخذتها الحكومة السورية الجديدة سببًا لإعادة النظر في التصنيف.
القرار يحمل أهمية اقتصادية وسياسية ضخمة؛ لأنه يفتح الباب أمام مزيد من التعاملات المالية والاستثمارية، ويزيل أحد أكبر العوائق أمام اندماج سوريا في النظام المالي الدولي وإعادة إعمار البلاد، لكن السؤال السياسي الذي يفرض نفسه هو: هل حصلت دمشق على هذا الانفتاح الأمريكي مجانًا؟
الإجابة تحتاج إلى قدر من الدقة، حيث لا توجد أدلة علنية تثبت وجود صفقة أمريكية صهيونية مع دمشق مقابل شطب سوريا من القائمة. لكن القرار جاء في سياق أوسع من إعادة تموضع سوريا، يتضمن تعاونًا أمنيًّا مع واشنطن، ومحاولات لإبعاد النفوذ الإيراني والروسي، وتغييرًا واضحًا في طبيعة علاقات دمشق الإقليمية.
الجولان.. ورقة صهيونية ثابتة في أي تفاوض
أما الجولان المحتل، فيظل إحدى أهم العقد في أي تفاوض سوري صهيوني، فالرئيس الأمريكي دونالد ترامب كان قد اعترف عام 2019 بالسيادة الصهيونية على الجولان، ولا تزال هذه السياسة الأمريكية قائمة. وعندما تحدث المبعوث الأمريكي الخاص إلى سوريا توم باراك مؤخرًا عن استمرار الاحتلال للجولان وفق المعايير الدولية، اضطر لاحقًا إلى توضيح تصريحاته، مؤكدًا أن السياسة الأمريكية التي أقرها ترامب لم تتغير.
وهذا يعني أن واشنطن تتحرك في مساحة شديدة الحساسية: فهي تريد دعم سوريا الجديدة وإعادة دمجها دوليًّا، لكنها في الوقت نفسه لا تبدو مستعدة للتراجع عن اعترافها السابق بالسيادة الصهيونية على الجولان، ومن هنا يمكن فهم جزء من السلوك الصهيوني في جنوب سوريا.
العدو الصهيوني يريد منطقة جنوبية منزوعة أو محدودة القدرات العسكرية، ويريد منع أي وجود لقوى يعتبرها معادية، خصوصًا إيران وحزب الله، كما أنه يراقب عن كثب أي انتشار تركي يمكن أن يغير ميزان القوى.
هل يصبح الجيش السوري قوة داخلية فقط؟
ولعل من أخطر الأسئلة المطروحة الآن هو مستقبل الجيش السوري الجديد، فدمشق تعمل على بناء مؤسسة عسكرية جديدة بعد انهيار الجيش العربي السوري، بينما تتداخل في عملية إعادة تشكيل القوات السورية فصائل مسلحة وقوى كانت جزءًا من المعارضة.
وتكمن المشكلة في أن وجود مقاتلين أجانب ضمن تشكيلات عسكرية أو أمنية سورية تقدر بنحو 13 ألف مقاتل، أو ارتباط بعض العناصر السابقة بجماعات مسلحة، يفتح الباب أمام مخاوف صهيونية وأمريكية وإقليمية بشأن طبيعة الجيش الجديد واتجاهاته.
استخدام سوريا في مواجهة حزب الله
إلى ذلك تشير التقارير إلى وجود نوايا أمريكية لاستخدام سوريا ضد المقاومة اللبنانية وهنا نصل إلى واحدة من أخطر الفرضيات، الكيان الصهيوني يخوض حاليًا مواجهة طويلة مع المقاومة اللبنانية، وترى أن الجبهة اللبنانية لا يمكن فصلها عن البيئة السورية التي كانت لسنوات ممرًّا أساسيًّا للأسلحة والمقاتلين بين إيران وسوريا ولبنان.
وتؤكد التقارير أن الولايات المتحدة والكيان الصهيوني يريدان من سوريا الجديدة ألا تسمح بعودة الممر الإيراني، وإعادة بناء بنية عسكرية للمقاومة اللبنانية داخل الأراضي السورية، ولا تتحول إلى قاعدة لتهديد أمن الكيان الصهيوني.
تركيا تدخل المعادلة
المفارقة أن الكيان الصهيوني الذي يريد إضعاف النفوذ الإيراني في سوريا يواجه اليوم منافسًا جديدًا هو تركيا. أنقرة تدعم السلطة الجديدة في سوريا، وتعمل على توسيع نفوذها السياسي والعسكري، كما أن لديها مصالح مباشرة في إعادة تشكيل المؤسسة العسكرية السورية.
وفي 18 أغسطس، قصف العدو الصهيوني قاعدة أبو الظهور الجوية، وسط تقارير عن مخاوف صهيونية من احتمال نشر قوات تركية في الموقع. وتقول تحليلات إن الضربة كانت رسالة مباشرة إلى دمشق وأنقرة بأن الكيان لن يقبل بتحول سوريا إلى منصة للنفوذ العسكري التركي قرب مناطق عملياتها.
حول ذلك، يرى خبراء السياسية أن الصراع تحول من “إسرائيل ضد إيران” إلى منافسة أوسع على مستقبل سوريا، حيث دخلت تركيا على خط المواجهة تبحث عن نفوذ ما يقلق الكيان، أما الولايات المتحدة فتريد سوريا منفتحة عليها، للحد من النفوذ الإيراني والروسي، ومنع عودة تنظيمات متطرفة.
أردوغان وإسرائيل.. حرب حقيقية أم رسائل سياسية؟
السؤال الأكثر إثارة الآن هو: هل يذهب الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إلى مواجهة عسكرية مباشرة مع الكيان الصهيوني؟ المؤشرات الحالية لا تكفي للقول إن تركيا قررت خوض حرب مباشرة، لكن مستوى التوتر ارتفع بالفعل بصورة غير مسبوقة، خصوصًا بسبب سوريا ولبنان وغزة.
أنقرة ترى أن العمليات الصهيونية في سوريا ولبنان تمس مصالحها وأمنها الإقليمي، بينما الكيان ينظر إلى التمدد التركي في سوريا باعتباره تحديًا استراتيجيًا متزايدًا. وقد وصفت تحليلات دولية الخلاف بين نتنياهو وأردوغان بأنه صراع على النفوذ، وليس مجرد خلاف دبلوماسي عابر.
وفي الوقت ذاته، فإن الدخول في حرب مباشرة بين تركيا والعدو الصهيوني سيكون قرارًا شديد الخطورة. تركيا عضو في حلف شمال الأطلسي، وتمتلك جيشًا كبيرًا وقدرات جوية وبحرية معتبرة، بينما تمتلك إسرائيل تفوقًا نوعيًّا كبيرًا في سلاح الجو والاستخبارات والدفاع الجوي والهجمات بعيدة المدى.
سوريا أمام ثلاثة سيناريوهات
المشهد السوري يقف الآن أمام ثلاثة احتمالات رئيسية، الأول: صفقة تهدئة سورية صهيونية. وفي هذا السيناريو تحصل دمشق على اعتراف دولي ودعم اقتصادي وأمني، بينما يضمن العدو الصهيوني ترتيبات أمنية في الجنوب ومنع إعادة بناء قدرات عسكرية تهددها.
المشهد الثاني: تحول سوريا إلى ساحة صراع تركي صهيوني.
وهذا السيناريو يصبح أكثر احتمالًا إذا توسعت تركيا في نشر قواتها أو بناء قواعد عسكرية داخل سوريا، ورد الكيان الصهيوني بضربات جديدة، أما المشهد الثالث: فيتمثل في استمرار سياسة “الضربات المحدودة”، وهو السيناريو الأقرب في المدى القصير؛ حيث يستمر العدو الصهيوني في ضرب ما تعتبره أهدافًا عسكرية أو تهديدات محتملة، مع إبقاء باب التفاوض مفتوحًا، بينما تحاول دمشق إعادة بناء مؤسساتها وتجنب الانجرار إلى حرب شاملة.
شكل الصراع في سوريا
تقول تقارير إعلامية إن الصراع الدائر حاليًا هو على شكل الدولة السورية نفسها: من يملك الجيش، من يسيطر على الجنوب، ما حدود النفوذ التركي، هل تعود إيران، ماذا سيحدث لحزب الله، وهل تصبح سوريا دولة مستقلة القرار أم ساحة نفوذ دولية وإقليمية؟
