مازلنا بعيدين عن مبدأ الشراكة الوطنية

بقلم/ محمد علوش
رغم كل ما مرَّ به شعبنا من نكبات وحروب وانقسامات، ورغم جسامة التحديات التي تواجه قضيتنا الوطنية، ما زلنا، بكل صراحة، بعيدين عن تجسيد مبدأ الشراكة الوطنية بوصفه قاعدة للعمل السياسي الفلسطيني، لا شعارًا يرفع عند الحاجة، ثم يستبدل بمنطق التفرد والإقصاء عند صناعة القرار، فالشراكة الوطنية ليست ترفًا سياسيًا، ولا مجاملة بين القوى والفصائل، وليست محاصصة في المواقع والمقاعد، بل إنها قبل كل شيء، اعتراف بأن القضية الفلسطينية أكبر من أي فصيل، وأن القرار الوطني ليس ملكًا لطرف واحد، مهما كان حجمه أو موقعه أو حضوره.
لقد أثبتت التجربة، بما لا يدع مجالًا للشك، أن الانقسام أضعف قدرتنا على مواجهة الاحتلال، وأفقد مؤسساتنا الوطنية جزءًا كبيرًا من ثقة شعبنا، وفتح أبوابًا واسعة أمام التدخلات الخارجية، فيما واصل الاحتلال استثمار انقساماتنا الداخلية وتناقضاتنا السياسية في خدمة مشروعه الاستيطاني والاستعماري.
والمفارقة أن الجميع يتحدث عن الوحدة الوطنية، لكننا كثيرًا ما نتراجع عند ترجمتها إلى ممارسة سياسية حقيقية، فالوحدة الوطنية التي لا تنتج شراكة في القرار، ولا تضمن التعددية، ولا تحمي حق الاختلاف، تبقى وحدة في الخطاب لا تصمد أمام الاختبار.
نحن بحاجة إلى الانتقال من إدارة الانقسام إلى إنهائه، ومن احتكار القرار إلى الشراكة في صنعه، ومن التوافقات المؤقتة إلى بناء نظام سياسي ديمقراطي قادر على استيعاب الاختلاف وتحويله إلى مصدر قوة، لا إلى وقود لصراع داخلي جديد.
وفي هذا السياق، ينبغي ألا تكون الانتخابات مجرد استحقاق قانوني أو منافسة على المقاعد، بل فرصة لإعادة بناء الحياة السياسية الفلسطينية على أسس ديمقراطية، وتجديد الشرعيات، وإعادة الاعتبار إلى صندوق الاقتراع باعتباره الطريق الطبيعي لتحديد أوزان القوى والاتجاهات السياسية، بعيدًا عن الإقصاء أو التعيين أو فرض الأمر الواقع.
إن الشراكة الوطنية الحقيقية تعني أن يكون لكل مكوّن سياسي واجتماعي حقه في التعبير والمشاركة، وأن تكون المؤسسات الوطنية مؤسسات للشعب، لا أدوات بيد الأحزاب، وأن يصبح الاختلاف السياسي حقًّا ديمقراطيًّا ومصدرًا للإثراء، لا سببًا للتخوين والتهميش والإقصاء.
كما تعني أن نتوافق على الحد الأدنى من القضايا الكبرى: حماية المشروع الوطني، ومواجهة الاحتلال، والدفاع عن حقوق شعبنا، والحفاظ على منظمة التحرير الفلسطينية باعتبارها الممثل الشرعي والوحيد لشعبنا والإطار الوطني الجامع، وتطوير مؤسساتها وإعادة بنائها بما يضمن تمثيل مختلف القوى والقطاعات، ويعزز مكانتها بوصفها بيتًا سياسيًّا جامعًا للشعب الفلسطيني.
لقد آن الأوان لأن ندرك أن فلسطين لا تحتمل المزيد من الحسابات الفئوية الضيقة، فالاحتلال لا ينتظر خلافاتنا كي يواصل مشاريعه، ولا يميز بين فصيل وآخر عندما يصادر الأرض، أو يهدم البيت، أو يقتل الإنسان، أو يعتقله، ولذلك فإن الرد الوطني لا يمكن أن يكون إلا بوحدة سياسية حقيقية تقوم على الشراكة والمسؤولية المشتركة.
نحن لا نحتاج إلى مزيد من البيانات التي تتغنى بالوحدة بقدر ما نحتاج إلى مؤسسات تجسِّدها، وقرارات تعكسها، وانتخابات تحميها، وثقافة سياسية تؤمن بها وتترجمها إلى ممارسة، والشراكة لا تعني أن يتنازل أحد عن هويته أو برنامجه، بل تعني أن يجد الجميع مكانهم في الوطن، وأن تكون المنافسة السياسية على أساس البرامج والإنجاز والقدرة على خدمة الناس، لا على أساس النفوذ أو الإقصاء أو الاستحواذ.
ولذلك، فإن الاعتراف بأننا ما زلنا بعيدين عن مبدأ الشراكة الوطنية ليس جلدًا للذات، ولا تقليلًا من أهمية ما تحقق، بل هو خطوة ضرورية نحو تصحيح المسار، فالاعتراف بالمشكلة هو بداية مواجهتها، أما الاستمرار في إنكارها فلن يقود إلا إلى إعادة إنتاج الأزمة بأشكال جديدة، ففلسطين أكبر من الفصائل، وأكبر من الأشخاص، وأكبر من مواقع النفوذ، والشعب الفلسطيني يستحق نظامًا سياسيًّا يليق بتضحياته، وديمقراطية حقيقية تحترم إرادته، وقيادة وطنية تتسع للجميع.
لقد تأخرنا كثيرًا في بناء الشراكة، لكن الوقت لم يفت بعد، وما نحتاجه اليوم ليس اتفاقًا جديدًا على مفهوم الوحدة، بل إرادة سياسية حقيقية لتحويل الوحدة من شعار إلى ممارسة، ومن أمنية إلى مؤسسات، ومن خطاب إلى شراكة وطنية كاملة، ففي مواجهة الاحتلال، لا تكفي وحدة الموقف؛ نحتاج إلى وحدة القرار، ولا تكفي وحدة الخطاب؛ نحتاج إلى شراكة حقيقية في المسؤولية وصناعة المستقبل.
