مقالات الرأي

بين هندسة السلوك وتشتيت الوعي ـ الجزء الثاني



بقلم/ محمد عبدالقادر

كنا قد توقفنا في الجزء الأول الذي نشر الأسبوع الماضي عند “نظرية إنتاج الدولة الرخوة والنخب الوظيفية المنتقاة” التي تعمل على إيجاد “تشابك مصلحي” يعيد إنتاج طبقات سياسية وإدارية “هزيلة” وغير كفؤة، ترتبط مصالحها بالخارج حصرًا، مما يفرز عجزًا منظمًا في إدارة الموارد يبقي الدولة تابعة وفي دائرة الاحتياج الدائم.

لا تعتمد هذه الفرضية بالضرورة على مؤامرة مدبرة لكل تفصيلة يومية وعليه، فإن ما تعيشه هذه الدول بمن فيها ليبيا وهي أول القصد يمثل نموذجًا لما يُعرف بـ “الاستقرار السلبي”؛ حيث يعد ترك هذه المجتمعات تدير أزماتها بموارد شحيحة وتحت وطأة الصراعات خيارًا أقل تكلفة للقوى المهيمنة لضمان عدم تحولها إلى قواعد تهديد، حتى لو كان ثمن ذلك هو تراجع جودة الحياة واستنزاف الإنسان ماديًّا ونفسيًّا.

أما في حقل “نظرية التبعية” فإن ما يسوق على أنه عجز إداري في دول الأطراف، ليس سوى النتيجة الحتمية لإدماجٍ قسري في الأسواق العالمية؛ إدماجٌ يحوّل الدول إلى مجرد ساحات استهلاكية هشة تدار بالأزمات لضمان تدفق الثروات نحو المركز الرأسمالي.

وفي هذا المسار ذاته، تتجلى “إمبريالية المساعدات” كأداة هيمنةٍ ناعمة.

وكما توضح الدكتورة عواطف عبد الرحمن في دراستها النقدية “إمبراطورية المساعدات”: هي منظومة متكاملة لإعادة إنتاج التبعية؛ إذ تُبقي الأطراف في حالة “إعفاء قسري” من التنمية الحقيقية، مستبدلةً الاستقلال الوطني بمسكنات اقتصادية مشروطة تضمن خضوع النخب ورهن مقدرات الشعوب.

لكن هذه الهيمنة المادية لا تكتمل إلا بـ “الترويض السيكولوجي”، حيث يعمل الإعلام الغربي وامتداداته المحلية والمنصات الرقمية كمهندسٍ خفي للوعي.

ففي أوقات العوز، يُدفع الجمهور لحالة انتظار دائم للمخلص الخارجي، وهو ما يفسره غُستاف لوبون في “سيكولوجية الجماهير” بـ “تضخم العاطفة الجماعية تجاه الأوهام”، حيث تفقد الجماهير قدرتها على التفكير النقدي في هيكل النظام الذي أفقرها.

هنا، يُوظف الإعلام الرقمي “بربوغاندا الصدمة والإلهاء” لتوجيه الغضب الشعبي نحو قضايا هامشية، محولًا الشعوب إلى كتلٍ مطيعة تعجز عن رؤية الأغلال التي تُكبل حريتها.

نحن إذن أمام مستوى وظيفي استراتيجي؛ حيث تُستغل “حالة الضعف” كأداة تحكمٍ غير مباشرة. فبينما تنشغل الشعوب بمعارك البقاء اليومي التي يغذيها خطاب التبعية، تظل قضايا السيادة والتحرر الوطني خارج دائرة الفعل الجماهيري.

إن هذا التشابك بين “إمبريالية المساعدات” و”الترويض الإعلامي” يطرح تساؤلًا وجوديًّا للقارئ النبيه: هل نحن أمام حلقة مفرغة محكمة الإغلاق، أم أن الوعي بهذه الآليات هو الخطوة الأولى لفك رموز هذه التبعية المستترة؟

إن أدوات السيطرة الحديثة قد تبدو جبارة، لكن قوتها تستمد شرعيتها من غياب الوعي الهيكلي بطبيعة اللعبة.

بدأت فكرة “عقيدة الصدمة” من الأبحاث النفسية لوكالة المخابرات المركزية الأمريكية CIA، والتي أثبتت أن تعريض المريض لصدمات كهربائية متتالية يمحو ذاكرته ويجعله كالصفحة البيضاء التائهة التي يسهل إعادة توجيهها، وهو تمامًا ما يتم تطبيقه على المجتمعات؛ من هنا تطرح الكاتبة والمفكرة نعومي كلاين في كتابها الشهير “عقيدة الصدمة: صعود رأسمالية الكوارث” أن القوى الكبرى أو النخب السياسية والاقتصادية تستغل حالات الفوضى والصدمات الاقتصادية والاجتماعية التي تصيب الشعوب بالذهول لتمرير إعادة هيكلة السيطرة والنفوذ وتمرير مصالحها في أوقات يكون فيها المجتمع عاجزًا عن المقاومة أو التنظيم.

كما أكد سمير أمين، في كتابه الأعمال النقدية حول نظرية التبعية وإدماج الأطراف.

إن ما يعانيه المواطن في دول مثل ــ ليبيا والعراق، سوريا، واليمن وغيرها من الدول التي تقع ضمن المستهدف الأمريكي من انقطاع الخدمات وغياب الاستقرار المعيشي يمكن قراءته عبر مستويين متداخلين:

المستوى الهيكلي الموضوعي: وهو تدمير أو تفكيك مؤسسات الدولة الوطنية وهياكلها الاقتصادية والسياسية نتيجة التدخلات العسكرية الأجنبية والصراعات المسلحة، ما أدى بطبيعته إلى انهيار القدرة الإدارية والمالية للدول المعنية.

المستوى الوظيفي (الاستراتيجي): حيث تتحول حالة الضعف والعجز المزمنة إلى “أداة تحكم غير مباشرة”؛ فالدولة المشغولة بأزماتها اليومية تفقد القدرة على الممانعة السياسية، وتصبح نخبها الحاكمة رهينة للضغوط الخارجية، بينما يُصار إلى توجيه طاقات الشعوب بالكامل نحو صراع البقاء، وهوما يحقق غاية إبعاد المجتمعات عن التفكير في السيادة الوطنية، أو إعادة هندسة ثرواتها لصالح قوى الهيمنة العالمية.

زر الذهاب إلى الأعلى