1 يوليو 2011 القول الفصل

بقلم / رمضان البريكي
وافق تاريخ 1 يوليو 2011 يوم الجمعة بعد مرور أسبوعين ومائة يوم على بداية هجوم حلف شمال الأطلسي على ليبيا في العام 2011، ورغم مرور كل هذه المدة التي شهدت معظم المدن الليبية خلالها قصفًا عنيفًا متصاعدًا طال البشر والحجر على مدار الساعة، لكن هذا اليوم لم يكن في قلب مدينة طرابلس كغيره من أيام الحرب.
ففي هذه الجمعة التي اكتظ فيها ميدان الشهداء والساحة الخضراء والشوارع المؤدية إليها بالجماهير من كل حدب وصوب كان مراسلو وكالات الأنباء والإذاعات الأجنبية يتجولون بين الحشود ويلتقطون الصور والفيديوهات التي ترصد حماس وعفوية وطوعية الحاضرين من الليبيين بمختلف أعمارهم، وقد اتخذ بعض الصحفيين من المباني المرتفعة المطلة على الساحة الخضراء منصة لكاميراتهم ما مكنهم من التقاط صورة عامة تكشف الحجم الكبير لهذا التجمع المليوني المدهش.
ولم تستطع مذيعة أخبار قناة CNN إخفاء دهشتها على الهواء عندما تحولت القناة للبث المباشر من الساحة الخضراء مع بداية الكلمة الصوتية التي وجهها القائد معمر القذافي للحشود، قالت قبل ظهور الصورة إننا ننتقل إلى طرابلس حيث يخاطب العقيد القذافي أنصاره، وبظهور صورة الحشود المليونية المبهرة قالت مذيعة CNN بعفوية تامة وبلكنة أمريكية: (واااااااو!).
لربما كانت تلك الـ(وااااو) الصدمة، فقد شاهدت شيئًا صادمًا ومخالفًا لتلك الصورة النمطية التي عمل الإعلام الأمريكي على تقديمها لمواطنيه عما يجري في ليبيا، لربما كانت تتصور أن تجمع أنصار العقيد القذافي سيعدون بالعشرات أو لربما هم مجتمعون في مدرج مغلق أو جزء من ملعب لكرة السلة كما جرت العادة في اللقاءات الشعبية التي ينظمها الرؤساء الأمريكان.
كان ذلك المشهد يجسد عزيمة الشعب الذي انتفض في وجه العدوان والتزييف وفي وجه منظومة الإعلام الغربي المدلس والإعلام العربي التابع الخانع، كان الأول من يوليو هو الاستفتاء الشعبي الكبير على شرعية النظام الجماهيري وقيادته الثورية المناضلة، كان استفتاءً شعبيًّا عفويًّا بلا دعاية ولا لجان حشد أو نقل وتنظيم وبلا أوامر عليا ولا تحريض، للدرجة التي عبر فيها القائد معمر القذافي خلال حديثه للحشود عن دهشته الشخصية وعدم علمه بتنادي هذا الحشد الشعبي العظيم، واصفًا هذا اليوم بيوم إظهار الشجاعة وإثبات الوجود وإبراز الكرامة، معتبرًا أن هذا الحشد هو رسالة قوية يوجهها الشعب الليبي للعالم بكل تحدٍّ وشجاعة تحت قصف وقنابل طيران وصواريخ حلف شمال الأطلسي الغاشم.
كان القائد معمر القذافي يعلم أن هذا اليوم يمثل نقطة تحول كبيرة في كفة الصراع بعد أن أصبح موقف الشعب الليبي جليًّا، ولذا حرص الأخ القائد على فتح قنوات للتواصل مع الآخر بمن فيهم الأعداء المهاجمون، حيث عرض لقادة الدول الغربية ومؤسساتها أن التواصل منذ الآن هو مع الشعب الليبي ومؤسساته المتمثلة في المؤتمرات الشعبية، وعلى رأسها مؤتمر الشعب العام، أو مع القيادات الاجتماعية الليبية التي يمثلها مؤتمر القبائل الليبية المنعقد على مدار الساعة وفي عضويته أكثر من 2000 قبيلة من كل مدن وقرى ليبيا دون استثناء.
فقد كان هذا اليوم هو الرافعة التي حثت بقية المدن الكبرى في ليبيا على الشروع في سلسلة من المسيرات والتجمعات المليونية في بني وليد وترهونة وبدر والجميل وسرت وسبها والجفرة وغيرها، لقد عبر الشعب الليبي عن موقفه في وسط المعركة بكل شجاعة في مواجهة صلف المعتدين وإعلام العملاء والمتخاذلين الذين سعوا في خراب ليبيا ودمارها وضياع سيادتها الوطنية وسلب خيراتها.
ففي معارك الشعوب ضد غزاتها أيام فريدة ومواقف مشرفة يورثها السلف للخلف، وقد كان يوم الأول من يوليو 2011 هو أحد هذه الأيام المجيدة في سلسلة التضحية والفداء والثبات على المبدأ.
