مقالات الرأي

التحركات الليبية خطوة نحو الدولة الموحدة



بقلم/ فرج بوخروبة

تتجه الدولة الليبية في هذه المرحلة الحرجة من تاريخها السياسي نحو إعادة تشكيل مشهدها الجيوسياسي في ظل تداخل التحركات الدبلوماسية الخارجية مع واقع الانقسام الداخلي المستمر. ويُصنف هذا البلد في أدبيات العلوم السياسية المعاصرة ضمن نماذج “الدولة الهشة”، حيث تحولت أزماته المؤسساتية وتفاعلاته المحلية إلى محور اهتمام رئيسي في حسابات القوى الإقليمية والدولية. ومن هذا المنطلق، لا يمكن النظر إلى التحركات السياسية الأخيرة نحو عواصم تختلف في مصالحها وتوجهاتها بوصفها زيارات بروتوكولية أو مناورات ظرفية، بل باعتبارها محاولة مدروسة لإعادة التموضع الاستراتيجي، وفتح مسارات جديدة لتجاوز حالة الانسداد السياسي عبر توظيف العلاقات الخارجية بصورة أكثر فاعلية. وتزداد أهمية هذه التحركات بالنظر إلى الموقع الجيوسياسي لليبيا، الذي تتقاطع فيه مصالح حيوية لقوى دولية وإقليمية، تمتلك كل منها تصورًا مختلفًا لإدارة الأزمة وتوجيه مخرجاتها بما ينسجم مع أولوياتها الاستراتيجية. ولذلك، فإن أي قراءة جادة للمشهد الليبي لا يمكن أن تفصل بين طبيعة التفاعلات الداخلية وبين حسابات البيئة الإقليمية والدولية التي أصبحت تؤثر بصورة مباشرة في مسارات التسوية السياسية والأمنية.

وفي هذا الإطار، ترتكز المقاربة المصرية، بحكم اعتبارات التاريخ والجغرافيا، على حماية أمنها القومي وتأمين حدودها الغربية والحد من التهديدات العابرة للحدود، مع السعي إلى الحفاظ على استقرار دولة الجوار باعتباره امتدادًا لاستقرارها الداخلي. في المقابل، تنظر تركيا إلى ليبيا باعتبارها امتدادًا مهمًّا لنفوذها البحري والاقتصادي في شرق المتوسط، وركيزة للحفاظ على اتفاقياتها الاستراتيجية وتعزيز حضورها الإقليمي. أما فرنسا، فتتعامل مع الأزمة من زاوية ارتباطها بأمن منطقة الساحل الإفريقي، ومواجهة الجريمة المنظمة، والحد من تدفقات الهجرة غير النظامية التي تمثل تحديًا متزايدًا للدول الأوروبية. ومن جانبها، تتحرك الولايات المتحدة الأمريكية انطلاقًا من اعتبارات تتعلق بالحفاظ على التوازنات الدولية، ومنع توسع نفوذ القوى المنافسة، وضمان أمن الطاقة، ومكافحة الإرهاب، بما يحفظ مصالحها الاستراتيجية في المنطقة. كما تواصل روسيا الحفاظ على حضور مؤثر في الملف الليبي عبر أدوات سياسية ودبلوماسية وعسكرية تمنحها قدرة معتبرة على التأثير في مسارات التسوية المستقبلية، بما يجعلها طرفًا يصعب تجاهله في أي ترتيبات قادمة. وإلى جانب هذه القوى، تبرز باكستان كشريك يمكن أن يسهم في مجالات التعاون التقني والدفاعي، بما يعكس توجهًا نحو تنويع الشراكات الخارجية وعدم حصرها في نطاق جغرافي أو سياسي واحد، وهو ما يمنح صانع القرار الليبي مساحة أوسع للمناورة وبناء علاقات أكثر توازنًا.

ووفقًا لمنطق المدرسة الواقعية في العلاقات الدولية، فإن انفتاح الفاعلين الليبيين على هذه العواصم المتباينة بصورة متزامنة يعكس سعيًا واضحًا إلى تحقيق ما يُعرف بـ”التوازن الخارجي”، بهدف تعويض غياب التوافق الداخلي والشرعية الموحدة. وتقوم هذه المقاربة على تنويع الشركاء الدوليين بما يحد من قدرة أي طرف منفرد على احتكار التأثير أو فرض “فيتو” سياسي يعطل فرص التسوية. كما تمثل محاولة لتحويل التنافس الدولي في ليبيا من معادلة صفرية، يربح فيها طرف على حساب آخر، إلى معادلة أكثر توازنًا، يصبح فيها استقرار ليبيا نقطة التقاء للمصالح المشتركة بدلًا من أن يكون ساحة لصراع الإرادات. ويعكس هذا النهج إدراكًا متزايدًا بأن إدارة العلاقات الخارجية بكفاءة قد توفر هامشًا سياسيًّا يساعد على تخفيف الضغوط المتعارضة، ويمنح الأطراف الليبية قدرة أكبر على المناورة في بيئة دولية شديدة التعقيد.

غير أن نجاح هذا المسار لا يعتمد على حجم الانفتاح الخارجي وحده، بل يرتبط بقدرة النخب الليبية على توظيف هذا الدعم المتعدد في بناء توافق داخلي متماسك. فالتحدي الحقيقي يتمثل في تحويل التقاطعات الدولية إلى رافعة سياسية تساعد على معالجة المعضلة الأمنية المزمنة، وتوحيد المؤسسات السياسية والعسكرية تحت مظلة شرعية واحدة، بما يفتح المجال أمام إطلاق عملية سياسية أكثر استقرارًا واستدامة. وفي الوقت نفسه، يتطلب هذا المسار تقديم رؤية اقتصادية واضحة للشركاء الدوليين، تقوم على فرص حقيقية في مجالات إعادة الإعمار، والطاقة، والاستثمار، بما يجعل استقرار ليبيا مصلحة اقتصادية وأمنية مشتركة، بدلًا من استمرار الرهان على أدوات الصراع والانقسام. كما أن نجاح هذه المقاربة يتطلب بناء مؤسسات قادرة على تنفيذ الالتزامات السياسية والاقتصادية، بما يعزز ثقة الشركاء الدوليين ويحول الدعم الخارجي من عامل ظرفي إلى شراكة طويلة الأمد تخدم عملية بناء الدولة.

ورغم ما يوفره هذا التوجه من فرص، فإنه يواجه تحديات بنيوية معقدة على المستويين الداخلي والخارجي. ويأتي في مقدمة هذه التحديات احتمال تعرض التفاهمات القائمة بين القوى الإقليمية والدولية للاهتزاز إذا ما تصادمت مصالحها في ملفات أخرى خارج الساحة الليبية، الأمر الذي قد ينعكس مباشرة على مسار الأزمة. كما لا يمكن إغفال مقاومة شبكات المصالح الداخلية والفاعلين الذين راكموا نفوذهم في ظل الانقسام السياسي والمؤسساتي، ويرون في قيام دولة موحدة وقوية تهديدًا مباشرًا لمصالحهم. وإلى جانب ذلك، فإن استمرار الانقسام المؤسسي يحد من قدرة الدولة على استثمار الفرص التي يوفرها الانفتاح الدبلوماسي، ويجعل أي تقدم سياسي معرضًا للتعثر إذا لم يستند إلى توافق وطني واسع.

ومن ثم، فإن مستقبل هذه الديناميكية الدبلوماسية سيظل مرهونًا بقدرة الأطراف الليبية على إدارة شبكة العلاقات الدولية المتشابكة بما يخدم المصلحة الوطنية، بعيدًا عن الارتهان لمحاور متنافسة. فاستثمار التنافس الدولي بصورة متوازنة قد يتيح فرصة لصياغة عقد سياسي وإقليمي جديد يدعم وحدة الدولة ويعزز استقرارها، بينما قد يؤدي سوء إدارة هذه العلاقات إلى إعادة إنتاج صراع الوكلاء بأدوات أكثر تعقيدًا. لذلك، يبقى الرهان الأساسي على كفاءة الإدارة السياسية الليبية في توجيه هذا الزخم الدبلوماسي نحو مشروع وطني جامع، يحافظ على السيادة، ويوحد المؤسسات، ويؤسس لدولة مستقرة وقادرة على التفاعل مع محيطها الإقليمي والدولي وفق منطق المصالح المتبادلة، لا منطق الانقسام والصراع. وفي ضوء ذلك، ستشكل المرحلة المقبلة اختبارًا حقيقيًّا لقدرة الفاعلين الليبيين على تحويل الحراك الدبلوماسي الراهن من مجرد تحركات خارجية إلى مشروع سياسي متكامل، يربط بين متطلبات الاستقرار الداخلي وموازين القوى الدولية، ويمنح الدولة فرصة لاستعادة دورها ومؤسساتها على أسس أكثر رسوخًا واستدامة، بما يرسخ مكانة ليبيا بوصفها شريكًا فاعلًا في محيطها، لا ساحة مفتوحة لتقاطع الأجندات الإقليمية والدولية.

زر الذهاب إلى الأعلى