مقالات الرأي

عندما يصبح المرض أكبر من قدرة الدولة على معرفته وعلاجه

بقلم/ د.علي المبروك أبوقرين
ما يحدث في ليبيا اليوم في مواجهة الأورام والأمراض المناعية والنادرة والمزمنة والمعقدة والنفسية ليس مجرد زيادة في أعداد المرضى ولا مجرد نقص في دواء أو طبيب أو جهاز وإنما هو نتيجة عميقة لتفكك القدرة الوطنية على إدارة المرض منذ لحظة ظهوره الأولى حتى التشخيص والعلاج والتأهيل والمتابعة والنتيجة النهائية. الأخطر من المرض نفسه أن الدولة لا تملك حتى الآن صورة مكتملة عن حجمه الحقيقي فلا سجلات صحية وطبية متكاملة تغطي السكان ولا قواعد بيانات موحدة للأمراض، ولا ربط حقيقيا بين التشخيص والعلاج والنتائج ولا قدرة كافية على معرفة توزيع المرض حسب العمر والجنس والمنطقة وعوامل الخطورة، ولذلك يصبح الحديث عن الزيادة في بعض الأمراض مؤشرا مقلقا لكنه لا يستطيع وحده أن يرسم حجم الكارثة بدقة. وتزداد المأساة حين يصل المريض إلى المرفق الصحي بعد أن يكون المرض قد قطع شوطا طويلا. فتعطل أقسام التشخيص في المرافق العامة ونقص المختبرات المتقدمة والمعامل الجينية والوراثية والباثولوجية والأشعة التشخيصية والتداخلية، ونقص الفنيين المؤهلين وضعف القدرة على الوصول إلى التشخيص المتخصص في الوقت المناسب، كلها عوامل تدفع الأمراض المعقدة إلى مراحل أكثر تقدما. وفي السرطان تحديدا تصبح قيمة الوقت جزءا من العلاج نفسه ولذلك الكشف المبكر والتشخيص والعلاج والرعاية التلطيفية حلقات مترابطة في منظومة مكافحة السرطان. ولا تقف المشكلة عند التشخيص. فليبيا تعاني نقصا حادا في التخصصات الدقيقة والكفاءات القادرة على التعامل مع الأورام والأمراض المناعية والنادرة والأمراض المعقدة إلى جانب نقص البرامج التدريبية المستمرة والبروتوكولات الوطنية الموحدة، وضعف التكامل بين المختبر والطبيب والصيدلية والأشعة والجراحة والعلاج والتأهيل. وفي غياب نظام إحالة وطني فعال يصبح المريض هو من يحمل ملفه بين المرافق الصحية ويعيد الفحوصات وينتقل من طبيب إلى آخر وقد يبدأ علاجا ثم يتوقف أو ينتقل إلى بروتوكول آخر دون ملف وطني يضمن استمرارية الرعاية. وهنا تظهر المعضلة الأكبر في نظام عام متعطل أو محدود القدرة، وقطاع خاص متفرق تحكمه طبيعة السوق ولا ولن يستطيع بناء منظومة وطنية متكاملة، والعلاج في الخارج يتم في أسواق صحية متعددة لا يجمعها نظام طبي وطني موحد مع الداخل. فيتحول المريض إلى حالة منفصلة في كل مكان يذهب إليه، بينما ينبغي أن تكون له هوية صحية واحدة وملف طبي واحد ومسار علاجي واحد سواء تلقى الخدمة في مستشفى حكومي أو مؤسسة خاصة أو مركز متخصص أو خارج البلاد. والأخطر أن الدولة لا ينبغي أن تعرف فقط أين عولج المريض وإنما ماذا أعطي له ومن شخصه وما نوع الدواء والمستلزم المستخدم وما مصدره وصلاحيته وظروف حفظه، وهل الجهاز الذي شُخص به معاير وصالح وهل المختبر معتمد وهل العاملون مؤهلون وهل العلاج اتبع بروتوكولا معتمدا وما النتيجة التي تحققت. إن جودة الرعاية تقاس بسلامة العملية الطبية ونتائجها. ومن هنا تصبح الرقابة على المختبرات والأشعة والصيدليات والأدوية والمستلزمات والأجهزة والكوادر ومقدمي الخدمات جزءا من الأمن الصحي الوطني ولا يمكن مواجهة هذا الواقع بإرسال المرضى إلى الخارج بصورة متفرقة لأن العلاج بالخارج قد يكون ضروريا للحالات التي لا تتوافر لها القدرة الوطنية لكنه يفقد قيمته الاستراتيجية إذا لم يكن جزءا من منظومة إحالة ومتابعة وطنية تحدد سبب السفر ومكان العلاج والبروتوكول والتكلفة والنتيجة وخطة العودة والمتابعة داخل ليبيا. المطلوب ليس سوقا أوسع للعلاج وإنما دولة تعرف مرضاها وتحميهم أينما تلقوا الخدمة. والخروج من هذه الفوضى ممكن لكنه يحتاج إلى الانتقال من إدارة المرضى إلى إدارة النظام الصحي نفسه. البداية تكون بسجل صحي وطني إلكتروني موحد وسجلات وطنية للأورام والأمراض المزمنة والنادرة والمناعية والنفسية وغيرها، مرتبطة بالمختبرات والأشعة والصيدليات والمستشفيات ومراكز الرعاية الأولية، بحيث يصبح لكل مواطن مسار صحي يمكن متابعته عبر الزمن. ثم بناء شبكة تشخيص وطنية مرجعية تشمل الباثولوجيي والمختبرات الجزيئية والجينية والوراثية والأشعة المتقدمة مع نظام وطني للمعايرة والاعتماد وضمان الجودة. بعد ذلك يجب إنشاء مسارات وطنية واضحة للأمراض الكبرى ببروتوكولات تشخيص وعلاج وتأهيل موحدة، ولجان تخصصية متعددة التخصصات، ونظام إحالة ومواعيد ومتابعة لا يسمح بانقطاع المريض بين مستوى وآخر. ويجب أن تتزامن هذه الخطوات مع برامج مستمرة للوقاية والكشف المبكر للفئات العمرية الأكثر عرضة واستعادة قوة الرعاية الصحية الأولية، وتوفير الأدوية الأساسية والأدوية عالية التكلفة وفق احتياجات حقيقية مبنية على السجلات وليس على التخمين أو المصلحة. ثم يأتي الاستثمار الحقيقي في الإنسان في أطباء اختصاصيين متميزين في الأورام والمناعة والأمراض النادرة، واختصاصيو مختبرات وباثولوجي وجينات وأشعة وصيادلة سريريون، وتمريض متخصص وفنيون مؤهلون مع برامج تدريب وطنية ودولية مستمرة وربط حقيقي بين التعليم الطبي والمستشفيات والمراكز المرجعية والبحث العلمي. هذه هي عملية إنقاذ لنظام صحي فقد قدرته على رؤية مرضاه. فالدولة التي لا تعرف حجم مرضها لا تستطيع التخطيط له، والتي لا تملك تشخيصه لا تستطيع علاجه، والتي لا تتابع نتائج العلاج لا تستطيع معرفة ما إذا كانت أموالها تنقذ حياة أم تضيع في الفراغ. لقد آن الأوان لأن تتوقف ليبيا عن التعامل مع كل مريض باعتباره حالة منفردة وأن تبدأ في بناء منظومة ترى الشعب كله كجسد صحي واحد تعرف أمراضه قبل أن تستفحل وتمنع ما يمكن منعه وتكتشف ما يمكن اكتشافه مبكرا وتشخص بدقة وتعالج وفق العلم وتتابع حتى النهاية. إن استعادة النظام الصحي ليست مشروعا إداريا، وإنما مشروع حماية للحياة والأمن الصحي الوطني وحق الأجيال القادمة في دولة تعرف كيف تحمي صحة شعبها.

زر الذهاب إلى الأعلى