بين الواقع والمراجعة الوطنية

بقلم / محمد علوش
تدخل القضية الفلسطينية اليوم واحدة من أكثر مراحلها تعقيدًا وخطورة منذ عقود، ليس فقط بفعل العدوان الإسرائيلي المتواصل، وإنما أيضًا نتيجة التحولات العميقة التي يشهدها النظام الدولي، واختلال موازين القوى، واتساع دائرة العجز الدولي عن فرض قواعد القانون والعدالة، ففي الوقت الذي تتعرض فيه غزة والضفة الغربية والقدس لسياسات الاحتلال القائمة على الحرب والاستيطان والتهجير والتجويع والتدمير الممنهج، يقف المجتمع الدولي عاجزًا، أو متواطئًا، أمام انتهاكات غير مسبوقة للقانون الدولي والقانون الدولي الإنساني، الأمر الذي كشف حجم الازدواجية في المعايير، وأفقد كثيرًا من المؤسسات الدولية جانبًا مهمًّا من مصداقيتها.
لقد أثبتت التطورات الراهنة أن الشعب الفلسطيني يخوض صراعًا يتجاوز حدود المواجهة مع الاحتلال الإسرائيلي، ليصبح أيضًا صراعًا مع بيئة دولية تحكمها اعتبارات القوة والمصالح أكثر مما تحكمها مبادئ العدالة والشرعية الدولية، وبينما ترفع القوى الكبرى شعارات الديمقراطية وحقوق الإنسان وسيادة القانون، فإنها توفر في الوقت ذاته الحماية السياسية والعسكرية للاحتلال، وتعرقل أي مسار جاد للمحاسبة أو لإنهاء الاحتلال، بما يعكس حالة صارخة من النفاق السياسي الدولي وازدواجية المعايير.
وفي المقابل، فإن اختلال موازين القوى لا ينبغي أن يقود إلى الاستسلام أو اليأس، بل إلى إعادة قراءة الواقع بموضوعية، بعيدًا عن الشعارات والانفعالات وردود الفعل الآنية، فالرهان على متغيرات خارجية دون امتلاك عناصر القوة الذاتية أثبت محدوديته، كما أن استمرار الانقسام الفلسطيني، وتآكل الثقة بالمؤسسات الوطنية، واستنزاف الطاقات والإمكانات، أضعف قدرة الشعب الفلسطيني على مواجهة التحديات المتعاظمة.
إن طبيعة الصراع في هذه المرحلة تفرض الانتقال من إدارة الأزمة إلى بناء استراتيجية وطنية شاملة، تستند إلى قراءة دقيقة للتحولات الإقليمية والدولية، وإلى إعادة ترتيب الأولويات الوطنية، فالصمود ليس مجرد شعار سياسي أو حالة وجدانية، بل هو منظومة متكاملة تشمل تعزيز مقومات الاقتصاد الوطني، وحماية النسيج الاجتماعي، وتطوير منظومتي التعليم والصحة، وترسيخ الثقافة الوطنية، وبناء مؤسسات قادرة على الصمود في مواجهة الاحتلال والضغوط السياسية والاقتصادية.
كما أن المقاومة، بمختلف أشكالها التي يكفلها القانون الدولي للشعوب الواقعة تحت الاحتلال، تحتاج إلى رؤية وطنية جامعة، تنطلق من وحدة القرار السياسي، وتكامل أدوات النضال، وحسن توظيف الإمكانات الفلسطينية والعربية والدولية بصورة أكثر فاعلية، فغياب الاستراتيجية الوطنية الموحدة يؤدي إلى تبديد الطاقات، ويمنح الاحتلال فرصًا إضافية لفرض وقائع جديدة على الأرض، بما يخدم مشروعه الاستعماري القائم على الضم والتهجير وتقويض فرص إقامة الدولة الفلسطينية.
وفي هذا السياق، تصبح المراجعة الوطنية الشاملة ضرورة تاريخية وليست مجرد خيار سياسي، مراجعة لا تستهدف تبادل الاتهامات أو تصفية الحسابات، وإنما تهدف إلى تقييم التجربة الوطنية بمختلف مراحلها، واستخلاص الدروس والعبر، وإعادة بناء النظام السياسي الفلسطيني على أسس الشراكة الوطنية والديمقراطية والتعددية وسيادة القانون، بما يعزز الثقة بين القيادة والشعب، ويعيد الاعتبار للمؤسسات الوطنية بوصفها الإطار الجامع للمشروع الوطني.
كما أن استعادة الوحدة الوطنية لم تعد قضية تنظيمية أو فصائلية فحسب، بل أصبحت شرطًا أساسيًّا للحفاظ على المشروع الوطني الفلسطيني ذاته، فلا يمكن مواجهة مشاريع الضم والتهجير والتصفية في ظل استمرار الانقسام، ولا يمكن بناء استراتيجية نضالية ناجحة دون مرجعية سياسية موحدة، ومؤسسات فاعلة تحظى بالشرعية الشعبية، وقادرة على توحيد الطاقات والإمكانات في إطار رؤية وطنية مشتركة.
ورغم قسوة المشهد الراهن، فإن الشعب الفلسطيني أثبت، عبر تاريخه الطويل، قدرة استثنائية على الصمود والتجدد، ولا تزال عدالة القضية الفلسطينية تمثل مصدر قوتها الحقيقي، ولا سيما مع تنامي التضامن الشعبي العالمي واتساع دائرة الوعي بحقيقة الاحتلال وسياساته، غير أن هذا التعاطف يحتاج إلى استثمار سياسي ودبلوماسي وإعلامي أكثر فاعلية، بما يعزز حضور الرواية الفلسطينية في المحافل الدولية، ويحول التأييد الأخلاقي إلى مواقف سياسية وإجراءات عملية داعمة للحقوق الوطنية الفلسطينية.
إن المستقبل لا تصنعه موازين القوى وحدها، بل تصنعه أيضًا إرادة الشعوب وقدرتها على تنظيم قواها، وبناء عناصر قوتها الذاتية، وتوحيد صفوفها حول مشروع وطني جامع، ومن هنا، فإن المهمة الوطنية الملحة تتمثل في إطلاق مراجعة سياسية وفكرية وتنظيمية شاملة، تؤسس لمرحلة جديدة من العمل الوطني، يكون عنوانها الوحدة الوطنية، وتجديد المشروع الوطني الديمقراطي، وتعزيز مقومات الصمود، وبناء استراتيجية واقعية قادرة على حماية الحقوق الوطنية الفلسطينية، وفي مقدمتها إنهاء الاحتلال، وتجسيد الدولة الفلسطينية المستقلة كاملة السيادة وعاصمتها القدس، وضمان حق اللاجئين في العودة، استنادًا إلى قرارات الشرعية الدولية، فالمراجعة الصادقة ليست اعترافًا بالهزيمة، بل هي بداية ضرورية لاستعادة المبادرة وتجديد المشروع الوطني وصناعة المستقبل.
