مقالات الرأي

من الاختراق إلى الإصلاح.. المصرف المركزي وتعزيز المناعة الرقمية


بقلم / عبدالفتاح الشريف


لم تعد الهجمات السيبرانية أحداثا نادرة، بل أصبحت جزءًا من مشهد عالمي متكرر يستهدف المؤسسات العامة والخاصة، وفي مقدمتها المؤسسات المالية، مثل: المصارف المركزية، المصارف التجارية، شركات إدارة الأموال، البورصات، وشركات التأمين، ومع التوسع في التحول الرقمي والاعتماد المتزايد على الأنظمة الإلكترونية ارتفعت التكلفة المادية للاختراقات، وصاحب هذا التوسع اهتزاز في الثقة بالأنظمة الإلكترونية.
حيث شهد العالم خلال السنوات الماضية نماذج شرسة تدل على خطورة هذه الهجمات مثل “وانا كراي” الذي عطل قطاعات صحية وصناعية، ونموذج “نوت بيتيا” الذي كبد شركات دولية خسائر بمليارات الدولارات، و”كولونيال بايبلاين” الذي أربك إمدادات الوقود في الولايات المتحدة.
هذه الوقائع تؤكد أن البنية المالية والاقتصادية أصبحت هدفًا استراتيجيًّا لمجموعات إجرامية منظمة أو لبعض الجهات ذات الدوافع الجيوسياسية.
وفي هذا السياق يكتسب أي اختراق يستهدف المصارف المركزية حساسية خاصة نظرًا إلى ما تمثله من ركيزة للاستقرار النقدي والثقة العامة، وقد جاء تصريح السيد ناجي عيسى محافظ مصرف ليبيا المركزي بشأن الهجمة التي تعرض لها المصرف الأسبوع الماضي مؤكدًا احتواء الهجوم وعدم تسريب أي بيانات وعودة الأنظمة للعمل بصورة طبيعية، وهي رسائل جد ضرورية في بيئة مالية حساسة، إلا أن تقييم مثل هذه البيانات لا يجب أن يتم من زاوية الطمأنة فقط، بل يجب أن يتم من زاوية المعايير الدولية المتبعة في إدارة حوادث الأمن السيبراني وخاصة عندما يتم استهداف المصرف المركزي، وذلك وفقًا لإرشادات مصرف التسويات الدولية، ومعايير مثل “أفضل ممارسات الاستجابة للحوادث”.
ويفترض أن يتضمن أي بيان شفاف عناصر أساسية من بينها تحديد ساعة وتاريخ اكتشاف الاختراق بدقة، وتوضيح نطاق التأثير، وبيان وضع البيانات الحساسة، والكشف عما إذا تم طلب فدية مالية مع شرح الإجراءات الفورية التي تم اتخاذها، وعرض نتائج التحقيق الأولي، وتقدير الأثر التشغيلي، إضافة إلى خطة التحسين المستقبلية والالتزام بتحديثات لاحقة.
ومن خلال قراءة التصريح الرسمي يتضح لنا أنه ركز بوضوح على احتواء الأزمة واستعادة السيطرة واستمرار الخدمات، لكن التصريح لم يتوسع ويتطرق إلى بعض الجوانب الفنية التفصيلية مثل طبيعة الثغرة التي استغلها الهجوم أو المدة المحتملة لاستمرار أو بقاء المهاجم داخل النظام، ولم يشر التصريح إلى ما يفيد القيام بتحقيق يشمل التدقيق الجنائي الرقمي المستقل أو ضرورة القيام بهذا التدقيق “المهم والضروري”.
وقد نتفهم في هذه المرحلة الحساسة الاعتبارات الأمنية التي تبرر عدم الإفصاح الكامل، ولكن علينا ألا ننسى أن الفارق بين الطمأنة والبيان الشفاف يكمن في مستوى التفاصيل القابلة للتحقق.
كما يجب علينا أن ندرك الفرق بين “تم احتواء الهجوم”، وبين “توضيح أنه تم عزل أنظمة محددة بتاريخ معين بعد فحص جنائي أكد عدم انتقال الاختراق لبقية المنظومات”، كما أن التأكيد على عدم تسريب بيانات “يكتسب قوة أكبر” عندما يقترن بالإشارة إلى تحقيق تقني مستقل أو مراجعة خارجية.
وبما أنه لم يعلن حتى الآن عن أي معلومات تشير إلى تسريب بيانات أو خسائر مالية مباشرة تفيد بنجاح القراصنة في تحقيق بعض أهدافهم فإنه وفقًا للثقافة السيبرانية مجرد الوصول غير المصرح به أو تعطيل بعض الخدمات ولو مؤقتًا يعتبر نجاحًا جزئيًّا للمهاجم، ومن هنا تأتي أهمية نشر نتائج التحقيق النهائي عند اكتماله.
وختامًا فإن الهجمات السيبرانية لم تعد احتمالًا، بل اختبارًا دوريًّا لمدى جاهزية المؤسسات، والتحدي الحقيقي لا يكمن في صد الهجوم فقط، بل في إدارة تداعياته بشفافية مدروسة تخلق توازنًا بين متطلبات الأمن وحماية الثقة العامة، لأن قدرة المصارف المركزية تقاس بقدرتها على احتواء الأزمات ونجاحها في التواصل الواضح والمراجعة المستمرة وتعزيز منظوماتها الوقائية بما يرسخ الاستقرار المالي في مواجهة التحديات الرقمية المتنامية.

زر الذهاب إلى الأعلى