اللاهوت وإشكالية التطهير: في التطهير 14

بقلم / مهدي امبيرش
في أكثر من موضع كنا نؤكد على أن المشكلة التي تواجه الإنسان منذ آدم عليه السلام وزوجه أنه جُعِل خليفة في الأرض، أي مستخلفًا فيها، وقلنا مستخلف فيها، لأنه محدود، ولأن استمراره يتم من خلال نسله الذين يستخلفهم الله بعده في الأرض.
كما ذكرنا عندما طرحنا السؤال الكبير: ما الإنسان؟ قلنا إن بداية خلق الإنسان كانت من مادة فيزيائية، أي من تراب تمت عليه تحولات حتى صار صلصالًا كالفخار، وعند هذا الطور كان لا يزال مادةً فيزيائية، ومصطلح مادة في العربية هي القابلية للامتداد، وبداهةً يستتبع الامتداد زمنًا وطاقةً وحركةً، وهنا يبدأ الطور الثاني من الفيزياء إلى الحياة (biology)، وهذا التفوق على المادة الفيزيائية المحض، لا يلغيها أو ينفيها، كما أنه ليس تطورًا بمفهوم دارون، ثم يأتي التفوق الأخير الذي يتقدم به إلى الإنسان من خلال الروح التي هي طور آخر بعد النفس والحياة.
المشكلة عند آدم والتي كانت ولا تزال تسيطر على الإنسان، هي وعيه أنه محدود، وهذه المحدودية على الرغم من أنها ضرورية لاستمرار الحياة ببعدها الإنساني فإنها تحدِث قلقًا يجعله يطرح سؤالين مهمين: ما الوجود؟ وما المصير؟ وهذان السؤالان الماهويَّان ولَّدا كثيرًا من الاستفهامات، حتى ليبدو أن كل استفهام قد يتحول إلى سؤال، وهو الذي وصفناه بأنه أزمة آدم إلى آخر إنسان.
لقد تناولنا كيف أن آدم عليه السلام وزوجه أُسْكِنَا الجنَّة التي كانت على الأرض، وذلك لأنها تُعَد بمثابة الإعداد لمشيئة الله تعالى بأن يجعَل من الجنة، التي هي جُنَّة على آدم وزوجه، أي اختفت، لتكون دافعًا على مغالبة مشاق الحياة والاستمرار في التَّقدم في رحلة العودة إلى البداية، والتي من الناحية اللسانية، ما دمنا قد ذكرنا كيف أنَّ آدم عليه السلام قد عُلِّمَ الربط بين الاسم والمسمى وأن هذا الربط وعيٌ كذلك بالمسمى الموجود الذي أشار الله إلى الملائكة أن تخبره بأسماء هذه الموجودات التي قال الحق فيها (أنبئوني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين)، وهذا نفسه تحوّل إلى تفكير في علاقة الاسم بالمسمى، وبداهةً إلى القوة والسلطان التي لها الحق أن تسمي، وقد ذكرنا أنها كانت واحدةً من أهم القضايا التي تناولها أفلاطون في محاورة كراتيلوس التي استمرَّت قائمةً حتى اليوم، ومن أهم من تناولها من المفكرين الألماني هايدغر، وإن كان الاستفهام عن الموجود يقود بداهةً إلى السؤال عن الوجود، وهو السؤال الذي أثاره ذهن آدم فطفق يبحث عن الخلد والمُلك الذي لا يبلى.
والنسيان من أن آدم وزوجه مستخلفان في الأرض كان وراء توهم آدم وزوجه أنه بإمكان المحدود أن يصير مطلقًا، أي استفهام الانتقال من الموجود إلى الكائن، ثم من الموجود والكائن إلى سؤال الوجود والكينونة، والذي نبهنا فيه إلى ضرورة إعادة قراءة الموجود وتأكيد الموجود في اللسان العربي من خلال (إنَّ) وتمظهراتها و(كان) وتمظهراتها، وكيف أن اللسان العربي في عبقريته المعهودة وقدرته البيانية الإبداعية أن يقدم مدرسة جديدة في مقاربة سؤال الوجود والكينونة، بل ويوصلنا إلى هذه المدرسة التي يتجاوز الانسان بها ويتفوق عن أزمة الثنائية (dualism) التي بررت الصراع منذ ابنيْ آدم إلى اليوم، والذي دفعت البشرية منذ ذلك التاريخ إلى الآن مئات الملايين من الضحايا، كما لا تجدِي محاولة التهدئة من خلال البحث عن اللغة المشتركة أو اللغوس المشترك منذ تحوت المصري وهرمس الإغريقي إلى الثالوث اللاهوتي المسيحي حتى محاولة مونتسكيو في تقسيم السلطات أو البحث عن إبادة الطرف الثاني من أجل واحدية متألهة أو الإنكار التام والإلحاد في منطق النفي والإبادة كما نراها اليوم.
إن الذي أشرنا إليه يفرض نفسه من خلال الإبقاء على السؤالين: ما الإنسان؟، وما المعنى؟، حيث إن المعنى هو نفسه الفردوس المفقود، وإن مشكلة آدم من البداية هي تملُّك المعنى أو تملُّك، وأن هذا الربط يمثل كلَّ هذه الأطروحات حول سؤال الوجود واستفهام الموجود والظرف والامتداد والحركة والزمن المستغرق في الوصول إلى الغاية واستفهامات الوسائل الأدوات والأساليب، التي تجعل من منهج تفكير وأفكار إلى الهدف والغاية يشكل ربما عقبة كأْدَاءْ لتجسد الفكرة في موجود والتي بدورها أدت إلى نفس الاختلافات السابقة في العلاقة بين الفكرة والممارسة وبين الظاهر (الفينومينولوجي،phenomenology) و(النومين،noumenon)، والذي هو كما يراه البعض المتشيء نفسه أو حقيقة الموجود بالذي هو موجود،أو ماهية الموجود، وهذا سيقود بداهةً إلى البحث في الأنطولوجيا، وفي الفرق في اللغة الإغريقيَّة بين الأون (onn) والفرق في العربية بين الأون والانطو (onto)، وهل نحن نتحدث عن منطق الأون أو الأنتو أي الموجود من الوجود، وهذا نفسه سيكون مشكلة معرفية ابستولوجيا (epistemology) وهل الذي نعرفه هو الظاهر على أنه الحقيقة أمأنه المعرفة من خلال ظاهر الموجود لا الوجود، وهذه كانت ولا تزال تجسد خلافًا كبيرًا في منهج التفكير، نرى أن اللسان العربي هو أقدر بالمنظور الإنساني أن يضع التفكير الإنساني في مساره الصحيح، ولأن كل الفكر فكر معاصر فسوف نتناول في المداخلة القادمة بداية هذه الأسئلة والاستفهامات في المدرسة الإغريقية.
