مقالات الرأي

الدولة الريعية والحق في الصحة

بقلم/ د. علي المبروك أبو قرين

الدولة الريعية ليست توصيفًا اقتصاديًا مبتذلًا، ولا نعتًا يُستخدم للتقليل من شأن الدول، إنما هي في جوهرها ميزة تاريخية واستثنائية، منحها الله لبعض الأمم التي تمتلك ثروات طبيعية هائلة، كالنفط والغاز والذهب والمعادن والثروات الطبيعية الأخرى لتكون هذه الثروة وسيلة لتحرير الإنسان لا لاستعباده، وأداة للعدالة وليي للاحتكار، ومنصة لبناء حضارة وليس مجرد اقتصاد.

في الدولة الريعية الحقيقية لا تكون العلاقة بين المواطن والدولة علاقة جباية وضريبة إنما علاقة رعاية ومسؤولية فالدولة لا تعيش على أموال الناس إنما على ثرواتها السيادية، ومن هنا تنبع الفلسفة الجوهرية أن كل مواطن هو شريك في هذه الثروة، وله حق أصيل فيها، لا مِنّة فيه لأحد، ولا فضل فيه لحاكم أو مسؤول.

ومن هذا المنطلق تصبح العدالة الاجتماعية والاقتصادية ليست خيارًا سياسيًا إنما واجبًا وجوديًا. التعليم ليس خدمة إنما حق كامل ومجاني وحديث ومتكامل يقوم على بنية تعليمية راسخة، بمؤسسات حقيقية، ومناهج متطورة، ومعلمين على أعلى درجات الكفاءة العلمية والتربوية، وتأهيل مستمر وبيئة تعليمية تحترم العقل وتبني الإنسان. تعليم لا يقتصر على المعرفة إنما يصنع التفكير، ويؤسس للبحث ويؤهل للمنافسة العالمية.

وفي قلب هذه الفلسفة، تقف الصحة ليس كقطاع إنما كقيمة عليا ومنظومة حياة متكاملة. الصحة ليست سلعة. والصحة ليست مجالًا للاستثمار. والصحة ليست سوقًا. والصحة حق مطلق مكفول بالدستور، ومصان بالقانون، وممول بالكامل من الدولة، دون أن يدفع المواطن درهمًا واحدًا من جيبه، لا مباشرًا ولا غير مباشر، لا باسم التأمين ولا باسم المشاركة ولا بأي مسمى آخر.

لكن الصحة في مفهومها الشامل لا تبدأ من المستشفى إنما تبدأ من الحياة نفسها وتبدأ من غذاء صحي متكامل كماً ونوعاً وآمن ومتوازن ومتاح للجميع. ومن مياه نقية صحية مضمونة الجودة بلا تلوث ولا انقطاع. ومن سكن لائق صحي يحفظ الكرامة ويقي من المرض. ومن تخطيط عمراني حضري ذكي وبيئي ورياضي وثقافي يخلق مدنًا تعزز الصحة لا تُدمّرها. ومن شبكات صرف صحي متكاملة، ومعالجات علمية حديثة للمخلفات، تحمي الإنسان والبيئة. ومن زراعة عضوية مستدامة تحافظ على صحة الإنسان والتربة معًا. ومن بيئة عمل صحية قائمة على السلامة، تستهدف الوصول إلى حوادث صفرية، مدعومة بتشريعات صارمة وقوانين نافذة. ومن شبكات طرق آمنة تقلل المخاطر وتحفظ الأرواح.

وفي لحظات الخطر، تكون الصحة في صورتها القصوى بخدمات طوارئ متكاملة، وهي الأقرب والأسرع، في الإنقاذ والتدخل والعلاج، ومزودة بأنظمة نقل طبي متقدمة وسريعة، وقادرة على التعامل ليس فقط مع الحوادث، إنما مع الكوارث والأزمات المفاجئة والحروب والأوبئة بكفاءة واستجابة لحظية. وفي الدولة الريعية العادلة لا يُترك الإنسان ليبحث عن صحته إنما الصحة تذهب إليه. وتكون معه وبجواره وملاصقة له، عبر منظومة ذكية من المتابعة والمراقبة والتشخيص المبكر، تقدم المشورة وتمنع المرض قبل حدوثه، وتتدخل في لحظاته الأولى، وترافق الإنسان طوال حياته.

نظام صحي استباقي يمنع المرض قبل وقوعه، وتنبؤي يقرأ المستقبل الصحي، ووقائي يحمي المجتمع، وشخصي يراعي خصوصية الفرد، وعلاجي بأعلى جودة ممكنة وببنية تحتية حديثة ومؤسسات متكاملة، وتجهيزات تشخيصية وعلاجية وتأهيلية على أحدث مستوى عالمي، وأدوية أصلية مباشرة من مصادرها، دون وسطاء ودون عبث ودون فساد. الدولة هي التي توفر والدولة هي التي تعالج والدولة هي التي تُعد الكوادر. كوادر صحية يتم إعدادها في مؤسسات تعليمية وتدريبية وبحثية مجانية تضاهي أرقى ما في العالم، بمعايير صارمة وتأهيل عميق، وتدريب مستمر، وكفاءة لا تقبل الشك.

ولا يُسمح لأي يد غير مؤهلة أن تقترب من صحة الإنسان، لأن صحة الإنسان ليست مجالًا للتجربة إنما مسؤولية وجودية. ولا تكتمل هذه المنظومة دون محو الأمية الصحية، وجعل المعرفة الصحية واجبًا وحقًا في آن واحد، معرفة يومية ومستمرة ومتاحة وتجعل كل فرد شريكًا واعيًا في حماية صحته وصحة مجتمعه.

كما لا بد من استباق العالم، ومواكبة أحدث ما وصل إليه العلم والحداثة في المعرفة والخدمات الصحية، دون تأخر أو تبعية بل بروح الريادة والتفوق. وفي هذا السياق، تصبح بعض الممارسات جرائم وليس أخطاء ومنها جريمة أن يُترك مريض دون علاج متقدم، وجريمة أن لا تُمنع أمراض يمكن منعها، وجريمة أن لا تُكتشف أمراض يمكن اكتشافها مبكرًا، وجريمة أن يُحرم المجتمع من أحدث ما وصل إليه العلم، وجريمة أن يُجبر المواطن على الدفع ولو كان رمزيًا، وجريمة أن تُفتح أبواب الصحة للمتاجرة أو الوساطة أو الطفيلية، ومن أخطر هذه الجرائم تحويل الصحة إلى نظام تأمين ربحي طفيلي، يتغذى على معاناة الناس، ويحول المرض إلى سلعة، والمريض إلى رقم والعلاج إلى فاتورة. في الدولة الريعية الحقيقية لا يوجد بديل تمويلي للصحة خارج الدولة.

لا تأمين تجاري ولا خصخصة ولا تحميل للمواطن، انما موازنات سيادية ضخمة، تُخصص للصحة بأعلى نسب الاستقطاع، ضمن نظام صارم من الحوكمة والشفافية والمساءلة والرقابة وتجريم قاطع لتضارب المصالح بأي صورة كانت. ويُمنع منعًا باتًا أن يجمع أي شخص بين القرار الصحي والمصلحة الخاصة، أو أن يتولى مسؤولية دون كفاءة عالمية حقيقية، أو أن يمارس دون تأهيل عميق وتدريب مستمر. لأن الحقيقة التي لا تقبل الجدل أن صحة الإنسان هي أثمن ما في الوجود. وهي أساس الدولة، وهي جوهر الأمن القومي، وهي معيار الحضارة. الدولة التي تملك ثروة ولا تحولها إلى صحة وتعليم وعدالة تفقد مشروعيتها الأخلاقية. والدولة التي تحمي صحة مواطنيها تبني مستقبلها.

إن النموذج الريعي الحقيقي ليس نموذج رفاه إنه نموذج عدالة. وليس اقتصادًا سهلًا إنما مسؤولية عظيمة. هو عقد أخلاقي بين الدولة والإنسان أن يعيش الإنسان كريمًا ومتعلمًا، ومعافى وآمنًا من المرض والفقر والجهل. وحين تتحقق هذه المعادلة، لا تصبح الدولة فقط متقدمة إنما تصبح وطنًا معافى، ومقصدًا علميًا وصحيًا، ونموذجًا إنسانيًا يُحتذى به. وبهذا تنتصر الفكرة ويُولد المعنى.

زر الذهاب إلى الأعلى