بين تبعية الداخل وتأثير الخارج

بقلم/ عبد الله ميلاد المقري
بين نداء الضمير وإغفال الحقيقة، فإن ما يحدث في ليبيا هو انعكاس لتبعية معظم الفاعلين في المشهد السياسي لتأثيرات الخارج، انقسامًا وانتماءً، وهو ما يعبّر عنه الواقع السياسي الحالي. وأمام هذا التنوع في استدعاء الخارج للحالة الليبية، تبرز الإدارة الأمريكية الحالية التي تدير سياستها بأسلوب غير مسبوق، بقيادة رئيس يوصف بالغرابة، لا يمكن الوثوق بتوجهاته، في مقابل ما يُعرف بالدولة العميقة التي تتحكم في مفاصل النظام السياسي والاقتصادي، رغم وجود صراع خفي بين الطرفين قد يظهر إلى العلن في أي لحظة، وينعكس بدوره على المشهد الليبي.
ولأول مرة في تاريخ السياسة الدولية، يلوّح رئيس الولايات المتحدة بنزعات تدخل إقليمي تقترب من المجال الأمريكي، حيث قام بعملية وُصفت بالإرهابية تم بموجبها محاولة خطف الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، في مشهد أقرب إلى سلوك “الكاوبوي”. إلا أن هذا التوجه توقف عند حدوده، نظرًا لخطورة محاولة احتلال فنزويلا، حيث إن القوى النضالية داخل أمريكا اللاتينية وداخل أمريكا نفسها لن تسمح بتنفيذ مشروع احتلالي، كما لم يمنح الكونغرس الرئيس صلاحيات الحرب، لتبقى المواجهة تدور على تخوم النفوذ الأمريكي.
أما في الحالة الإيرانية، فالأمر يختلف نظرًا لبُعد التأثير الجغرافي عن المجال الحيوي الأمريكي. وفي المقابل، فإن المتابع الدقيق للمشهد الليبي يدرك أن الأطراف السياسية ترتبط بدول خارجية تختلف فيما بينها في كيفية التعاطي مع الحالة الليبية، وهو ما ينعكس في تضارب مواقف هذه الأطراف، وارتفاع حدة خطابها من حين لآخر.
ومن جانب آخر، هناك حالة استنفار في ضوء تصريحات بولس، المبعوث الأمريكي إلى ليبيا وأفريقيا عمومًا، حيث يتداول الليبيون ما يُعرف بـ”المبادرة الأمريكية” التي يُقال إنه يديرها، وتحظى بدعم بعض الأطراف. ومع ذلك، نود إبداء بعض الملاحظات حول هذا الطرح، مع التماس العذر للجميع، والدعوة إلى التريث في الحكم عليه من حيث الهدف والمضمون.
فقد تم البحث في مصادر الإدارة الأمريكية الرسمية، ولم يُعثر على أي إعلان أو قرار صادر عن وزارة الخارجية أو البيت الأبيض يشير إلى وجود هذه المبادرة، كما لم تُسجّل لقاءات رسمية بين الرئيس الأمريكي وبولس بشأن الملف الليبي، ولا حتى تصريحات صحفية تؤكد ذلك. وهذا يثير الشك حول طبيعة هذه “المبادرة”، إذ إن السياسة الأمريكية، كسياسة دولة كبرى، لا تُعرف بتقديم مبادرات دون إعلان رسمي، بل تتحرك عبر مشاريع تنفيذية واضحة، سواء من خلال أدوات الضغط السياسي أو التدخل المباشر.
وعليه، فإن ما يتم تداوله بشأن تصريحات بولس قد لا يتجاوز، حتى هذه اللحظة، كونه رأيًا شخصيًا لا يرقى إلى مستوى مبادرة رسمية صادرة عن الإدارة الأمريكية. وفي انتظار ما ستكشف عنه الأيام، يبقى من الضروري على من يديرون المشهد السياسي الليبي توضيح هذه المسائل للشعب الليبي بكل شفافية، وأنهم على اطلاع بما أُورد، وهي حقيقة يدركها الواقع السياسي الدولي.
