مقالات الرأي

الأوطان لا تُبنى بالكراهية.. ولكنها أيضًا لا تُحمى بالصمت


بقلم / محمد أبو بكر المعداني
في زمن مضى كان المواطن يفتح التلفزيون ليعرف ماذا يحدث في أرجاء الوطن، أما اليوم فهو يفتحه ليعرف من يشتم من، ومن يتهم من، ومن أصدر أحدث فتوى سياسية بتكفير نصف الشعب وتخوين النصف الآخر.
تتنقل بين القنوات الفضائية بحثًا عن برنامج سياسي، فتفاجأ بأنك دخلت حلبة ملاكمة بلا حكم ولا قوانين.. أحدهم يصرخ، والآخر يشتم، وثالث يوزع صكوك الوطنية والخيانة بالجملة وكأنه موظف في إدارة الأحوال المدنية للوطنية.
وتشاهد أحد المحللين وقد انتفخت أوداجه واحمر وجهه وهو يتحدث عن الليبيين وكأنه يتحدث عن أعداء غزوا بلاده البارحة.. يلعن هذا الإقليم ويحتقر تلك المدينة ويسخر من تلك القبيلة.. وكلما ارتفع صوته ظن أنه ارتفع مقامه.
بل إن بعض ضيوف الفضائيات لا يقدمون تحليلًا سياسيًّا بقدر ما يقدمون درسًا عمليًّا في كيفية تحويل الاختلاف إلى معركة، والرأي إلى خصومة، والوطن إلى خريطة من الحقد والكراهية المتبادلة.
تغلق التلفزيون هربًا من هذه الجرعة السامة، وتقول في نفسك: لعل وسائل التواصل الاجتماعي أكثر رحمة، لكن ما إن تدخل إلى فيسبوك أو تيك توك حتى تكتشف أن بعض الصفحات تحولت إلى مصانع للبغض، تعمل على مدار الساعة دون إجازات رسمية أو عطلات موسمية.
هناك من يستيقظ صباحًا لا لينثر الورود على صفحته، بل ليتأكد من تفاعل الجماهير مع منشوره اليومي الذي يدعو إلى التفرقة.
شخص يكره مدينة بأكملها لأنه اختلف مع أحد أبنائها، وآخر يحتقر قبيلة كاملة بسبب تصرف فردي، وثالث يصنف ملايين البشر في خانة الأعداء لأنهم لا يشجعون فريقه الرياضي أو لا يصفقون لزعيمه المفضل.
صرنا نعيش زمنًا أصبح فيه البعض يبحث عن عيوب الوطن بعدسة مكبرة، وعن حسناته بمنظار معطل.. المشكلة أن خطاب الكراهية لا يقتل الحقيقة فقط، بل يقتل القدرة على سماعها.
والمؤسف أن بعض من يمارسونه يتوهمون أنهم يدافعون عن الوطن، بينما هم في الحقيقة يوسعون الشروخ في جدرانه.. فالوطن ليس فندقًا نغادره عندما نختلف، وليس غنيمة يحتكرها من يرفع صوته أكثر من غيره.
الوطن مركب واحد، وإذا أصر كل راكب على ثقب مقعد جاره فسنغرق جميعًا دون استثناء.
الحل ليس في تكميم الأفواه، فالرأي المخالف حق، والاختلاف سنة بشرية، لكن الحرية لا تعني التحريض، والنقد لا يعني الإهانة، والمعارضة لا تعني الكراهية.
نحن بحاجة إلى إعلام يحترم عقل المشاهد لا غرائزه، ومنصات رقمية تكافئ الفكر لا الشتيمة، ومدارس تعلم أبناءنا أن التنوع مصدر قوة لا سببًا للعداء.
نحتاج إلى أن نتذكر حقيقة بسيطة جدًا.. ليس مطلوبًا أن نحب الجميع.. بل من واجبنا ألا نحرض ضد الجميع.. وليس مطلوبًا أن نتفق على كل شيء.. لكن من الواجب ألا نحول خلافاتنا إلى قنابل موقوتة نزرعها في طريق أبنائنا.
فالأوطان لا تُبنى بالكراهية.. ولكنها أيضًا لا تُحمى حين يتحول العقلاء إلى متفرجين، ويترك الميدان لمن يتاجرون بالأحقاد ويقتاتون على الانقسام، كلمةً كلمة، ومنشورًا منشورًا، وبرنامجًا بعد برنامج.

زر الذهاب إلى الأعلى