مقالات الرأي

نظرية الأوتاد وسقوط الحجارة: تفكيك العبقرية الجيوسياسية لإيران وهشاشتها البنيوية (2)


بقلم/ محمد نبيغ
السياسة الخارجية (الأوتاد الإقليمية وإستراتيجية الردع المتنقل): يُمثِّل “الردع المتنقل” الذروة التكتيكية والتكنولوجية في الإستراتيجية العسكرية الإيرانية الحديثة؛ وهو المفهوم الذي نقل طهران من مرحلة “الدفاع السلبي” داخل حدودها إلى مرحلة “الهجوم الدفاعي” متعدد الساحات، مستفيدة من ثورة السلاح غير المتماثل.
في العرف العسكري التقليدي، يرتبط الردع بمواقع ثابتة، أو ترسانات نووية وصاروخية معروفة الإحداثيات، أو تحالفات دولية معلنة. أما الردع المتنقل الإيراني، فيقوم على مبدأ “السيولة الجغرافية والعملياتية”، أي القدرة على نقل عناصر التهديد وتغيير جبهات الاشتباك وإعادة تموضع أدوات الردع بسرعة تجعل من الصعب على الخصم التنبؤ بمكان أو زمان الضربة القادمة.
ويمكن تفكيك هذا المفهوم عبر أربعة أبعاد رئيسية: الردع عبر الساحات المتعددة (وحدة الساحات): الركيزة الأولى للردع المتنقل هي عدم حصر القدرة على الرد داخل الجغرافيا الإيرانية، ويتحقق ذلك عبر:
نقل منصات الإطلاق: فإذا تعرضت إيران لهجوم في عمقها، فإن الرد قد لا ينطلق من كرمانشاه أو أصفهان، بل عبر “الوكلاء” من جبال صعدة في اليمن، أو صحراء الأنبار في العراق، أو جنوب لبنان.
تشتيت دفاعات الخصم: إذ يجبر هذا الانتشار الجغرافي الخصوم، مثل إسرائيل أو الولايات المتحدة، على توزيع منظوماتهم الدفاعية على مساحات شاسعة وجبهات متعددة، ما يرفع كلفة المواجهة ويستنزف القدرات العسكرية والمالية.
تكنولوجيا السلاح المتنقل (المسيرات والصواريخ الهجينة): استثمرت إيران بشكل مكثف في أسلحة لا تحتاج إلى قواعد عسكرية ضخمة أو مطارات تقليدية، وأبرزها:
الطائرات المسيّرة الانتحارية (كاميكازي): وهي أسلحة منخفضة الكلفة، سهلة النقل والتفكيك وإعادة التركيب، ويمكن إطلاقها من شاحنات مدنية أو قوارب صغيرة أو منصات مؤقتة.
الصواريخ الباليستية والمجنحة ذات المنصات المتحركة: حيث طوَّرت إيران منظومات صاروخية تتحرك عبر شبكات أنفاق معقدة تحت الأرض، فيما يُعرف بـ”المدن الصاروخية”، ما يمنحها قدرة عالية على المناورة والاختفاء والنجاة من الضربات الاستباقية.
نقل بنك الأهداف (الردع الاقتصادي والأمني): لا يقتصر الردع المتنقل على الجغرافيا، بل يمتد إلى طبيعة الأهداف نفسها. فإذا ضُيِّق الخناق على طهران عسكريًّا، ينتقل الردع إلى:
ممرات الملاحة الدولية، مثل مضيق هرمز وباب المندب والبحر الأحمر، عبر استهداف السفن التجارية والناقلات، البنية التحتية للطاقة في الإقليم، مثل المنشآت النفطية، الفضاء السيبراني عبر عمليات إلكترونية تستهدف شبكات حيوية في عمق الخصوم. هذا التنقل في طبيعة الأهداف يسحب من الخصم ميزة التفوق العسكري التقليدي، ويحوِّل الصراع إلى حالة استنزاف مفتوحة.
الردع الرمادي (تكتيكات المنطقة الرمادية): يعتمد الردع المتنقل على إبقاء النزاع داخل “المنطقة الرمادية” الواقعة بين السلم الكامل والحرب الشاملة. فالتنقل هنا لا يكون في الجغرافيا فقط، بل في منسوب التصعيد ذاته؛ حيث تُنفَّذ ضربات محدودة ومدروسة، ثم يُترك المجال للغموض والإنكار السياسي. ما يضع الخصم أمام معادلة معقدة: هل يرد بحرب شاملة قد تشعل المنطقة بأكملها، أم يكتفي باحتواء الضربة وتجنب الانفجار الكبير؟ وغالبًا ما يختار الخصوم الخيار الثاني، وهو ما يمنح الردع الإيراني فاعليته الحقيقية.
خلاصة الخارجية: لقد نجحت إيران، عبر إستراتيجية “الردع المتنقل”، في تحويل نقاط ضعفها التقليدية -وعلى رأسها غياب سلاح جو حديث- إلى منظومة ردع غير متماثلة عالية المرونة. إنها إستراتيجية تقوم على فكرة مركزية واحدة: “نحن موجودون في كل مكان، ولا يمكنكم الإمساك بنا في أي مكان”.
الخاتمة: تكشف معادلة “الأوتاد وسقوط الحجارة” عن مفارقة إيرانية عميقة: فكلما توسعت طهران في تثبيت أوتاد نفوذها الإقليمي، تزايد الضغط على بنيتها الداخلية الهشة.
لقد نجحت إيران في بناء شبكة نفوذ معقدة وعابرة للحدود، لكنها في المقابل تواجه مجتمعًا متعبًا، واقتصادًا متآكلًا، وصراعات كامنة داخل بنية النظام نفسه. وهنا يكمن السؤال الجيوسياسي الأهم: هل تستطيع دولة أن تستمر في التمدد خارجيًّا بينما تتآكل حجارة استقرارها من الداخل؟ ذلك هو التحدي الحقيقي الذي سيحدد شكل إيران ومستقبل الإقليم خلال السنوات القادمة.

زر الذهاب إلى الأعلى