ارفعوا وصايتكم

بقلم/ ناجي إبراهيم
أشبعونا حوارات، بل أتخمونا، وبعناوين مختلفة وفي أماكن شكلت لكثير من المشاركين مقصدًا سياحيًّا، أنفقت فيها أموال باهظة، وأهدرت وقتًا ليس قصيرًا كان يمكن أن ينفق في بناء التنمية، ومراكمة الثروة، وخلق مصادر أخرى غير النفط.
ناقشوا كل شيء وطرحوا أفكارًا متنوعة أغلبها ناقشها علماء السياسة وأخبرنا عنها التاريخ وتضمنتها نصوص قانونية ودستورية في أدراج المكتبات وعاشت شعوب غيرنا مرت بنفس الظروف ووقعت في الخطأ نفسه ولم تنجح في إصلاحه بالوصفات الخارجية، وخرجت من نفق الأزمات من بوابة الإرادة الوطنية، وأغلقت الآذان والأبواب أمام جميع المقاربات التي تحمل صفة دولية أو إقليمية، ولم تستخدم المفاتيح المنتجة في الخارج، وتأكدت أن الخارج لايفتح المسارات على الحلول بل يبقي على الأزمات، بعد عقد ونصف من الحوارات التي رعتها البعثة الأممية ما النتائج؟
وما المختلف والجديد بين أول حوار رعته البعثة في الصخيرات وآخر حوار فيما سمي بالحوار المهيكل الذي انفض قبل أيام يحمل نفس التوصيات للأطراف الليبية التي أنتجتها الصخيرات ولم يلغها المهيكل بضرورة توحيد المؤسسات التي بدأت بوادرها بولادة مجلس الدولة غير الشرعي ليتقاسم الوظيفة التشريعية مع البرلمان الذي يفترض أنه شرعي وفقًا للصندوق، لدغدغة عواطف ومشاعر شريحة واسعة من الليبيين ترفض المشاريع التقسيمية، وترى أن بوادر التقسيم تتجلى في الانقسام المؤسسي، فنلاحظ أنه في جميع مخرجات الحوارات التي تمت التوصية والدعوة بتوحيد المؤسسات، وقد ظهر ذلك في ميلاد سلطة الصخيرات والثانية في حوار جنيف الذي أنتج حكومة ما يسمى الوحدة الوطنية، ولم يدم الحال كثيرًا حتى انفجرت ألغام الحوارات في وجه الليبيين وبانقسامات مؤسسية وتعطيل آخر وشملت حتى القضاء، ولم تستثن المؤسسات الأمنية التي هي الضامن والحامي الوحيد لوحدة ليبيا ومؤسساتها.
ليس هذا وحسب ما ينذر بشبح التقسيم الذي حذرنا ونحذر منه وهي ما عرف بالمحاصصة المناطقية ما يعيد إلى الأذهان تجربة تاريخية ليست بعيدة أسقطها في الماضي اكتشاف النفط وسيعيدها الآن إلى جغرافيا ليبيا السياسية تدفق النفط وضرورة السيطرة عليه تنقيبا وإنتاجًا وتسويقًا من قبل أطراف دولية وحتى وكلاء إقليميين.
ونلاحظ إصرارًا من قبل المبعوثين على ضرورة تشكيل الحكومات منذ الصخيرات وما تلاها وفي جميع تصريحات المبعوثين والسفراء الدعوة أن تتشكل الحكومة وباقي المؤسسات بهذه الوصفة، وللأسف نجد أطرافًا ليبية تنحو هذا المنحى وبحجة إلغاء المركزية التي صارت شماعة يتمسك بها الخارج، واستثمرت فيها قوى محلية من أجل مكاسب ومصالح خاصة، ولم تجنِ منها المنطقة غير مزيد من التهميش، وانظروا إلى وضع الجنوب الليبي في ظل وجود ممثلين له في جميع السلطات التي تدير المشهد في ليبيا اليوم.
إن المحاولات التي تهدف إلى إقناع الليبيين أن الأزمة تكمن في الانقسام المؤسسي لا تعدو كونها عملية خبيثة من المبعوثين ومن يقف خلفهم لحرف أنظار الليبيين عن أساس الأزمة التي بدأت بالتدخل الخارجي وكانت سببًا في تفاقمها، بل وتغذيتها وبأطراف طامعة في السلطة محليًّا.
ناقشت البعثةكل مسببات الأزمة ما بعد الصخيرات وما تلاها من تشظٍّ في المشهد الليبي الذي هو أحد مخرجات هذه النقاشات التي تجاهلت الأسباب الحقيقية، وذهبت إلى النتائج، ولم تشرك الليبيين في الحوارات، وعندما أشركت بعضهم تجاهلت تصوراتهم، وخاصة ما تعلق منها ببحث أصل المشكلة، وتجاهلت البعثة على مدى هذا الزمن النقاش في موضوع السيادة، وأعطت ظهرها لكل الدعوات بحق الشعب الليبي في تقرير مصيره الذي صادرته البعثة بدعم أطراف دولية وإقليمية، وكانت سببًا في تعطيل السيادة وحرمان الليبيين من حقهم في تقرير مصيرهم كما تنص الإعلانات والمواثيق الدولية وميثاق الأمم المتحدة.
وعليه فإن فشل أي حوار هو بسبب تجاهل مطالب الشعب الليبي المشروعة، وسيفشل أي حوار حاليًا أو مستقبلًا ما لم يضع في حساباته إرادة الليبيين التي عبروا عنها في الحوارات المختلفة وفي مظاهراتهم أمام مقر الأمم المتحدة الذي طالب بإغلاق البعثة وإعادة حق بناء الدولة بكامل مؤسساتها لليبيين، وكف يد التدخل الخارجي عن العبث بمستقبلهم.
إن الاستمرار في هذه الحوارات هو إطالة في عمر الأزمة ومضيعة للوقت وهدر للأموال والطاقات وتكريس للانقسام الذي نخشاه ونحذر منه،كفوا أيديكم وارفعوا وصايتكم واتركوا أمر ليبيا لليبيين.
