هل نحن أمام نهاية عصر التفوق العسكري المطلق؟ الجزء الأول

بقلم عبدالكريم كشكر
تخيل أنك جندي روماني يقف على حدود الإمبراطورية قبل ألفي عام. في الجهة المقابلة يقف خصمك حاملًا سيفًا ورمحًا ودرعًا. قد يكون أكثر شجاعة منك أو أقل، وقد يكون قائده أذكى من قائدك أو أضعف، لكن هناك أمرًا واحدًا يكاد يكون مؤكدًا: كلاكما ينتمي إلى العالم العسكري نفسه. لا يحمل أحدكما سلاحًا يبدو وكأنه جاء من قرون في المستقبل.
هذا لا يعني أن التكنولوجيا كانت متساوية دائمًا بين الأمم. فقد عرف التاريخ تفوقات عسكرية مهمة، من الحديد الحيثي إلى النار الإغريقية إلى القوس المركب لدى المغول. لكن هذه التفوقات كانت، في معظم الأحيان، قابلة للتقليد والانتشار. كان الخصم يستطيع أن يتعلم، وأن ينسخ، وأن يلحق بالركب خلال جيل أو جيلين. كان التفوق موجودًا، لكنه لم يكن احتكارًا طويل الأمد للقوة.
ولو انتقلنا إلى القرن السابع الميلادي، زمن الفتوحات الإسلامية، لوجدنا المشهد مشابهًا إلى حد بعيد. جيوش الإمبراطورية البيزنطية والإمبراطورية الساسانية كانت تمتلك خبرات عسكرية عريقة وموارد تفوق ما امتلكه العرب المسلمون في بداياتهم. ومع ذلك لم تُحسم المعارك بسلاح سري أو اختراع خارق، بل بعوامل أكثر تعقيدًا: القيادة، والتنظيم، والمرونة، والعقيدة القتالية، والقدرة على استثمار اللحظة التاريخية.
بل إن التاريخ كله يكاد يخبرنا القصة ذاتها. فعندما اجتاح المغول معظم العالم المعروف لم يكونوا يملكون أسلحة تنتمي إلى عصر آخر، وعندما سقطت القسطنطينية لم يكن العثمانيون يقاتلون البيزنطيين بتكنولوجيا لا يعرفها خصومهم، بل بأدوات تقع ضمن الأفق التقني نفسه، وإن اختلفت القدرة على توظيفها. كانت الحرب، في معظم مراحل التاريخ، منافسة بين خصوم ينتمون إلى العالم التكنولوجي ذاته، وإن تفاوتت بينهم درجات القوة والكفاءة. لهذا السبب كان القائد العظيم قادرًا أحيانًا على تغيير مصير أمة كاملة. كان الذكاء العسكري قادرًا على تعويض نقص العدد، وكانت الإرادة السياسية قادرة على تعويض الفقر النسبي في الموارد. لم يكن التاريخ عادلًا، لكنه كان يسمح بقدر معتبر من المنافسة.
ثم وقع التحول الكبير.
منذ الثورة الصناعية بدأت القوة العسكرية تنفصل تدريجيًّا عن جذورها التقليدية. لم تعد المسألة تتعلق بسيف أفضل أو حصان أسرع أو مدفع أكبر. أصبحت الحرب مرتبطة بالمصنع والمختبر والجامعة وشبكات التمويل والتصنيع والبحث العلمي. ولأول مرة في التاريخ ظهرت فجوة تكنولوجية أخذت تتسع جيلًا بعد جيل بدل أن تضيق.
والأهم من ذلك أن الحرب لم تعد تعتمد على أداة يمكن سرقتها أو تقليدها بسهولة، بل على منظومة كاملة. فالمقاتلة الحديثة ليست مجرد طائرة، بل هي آلاف المهندسين، وعقود من البحث العلمي، وشبكات معقدة من الموردين والمصانع والبرمجيات والمواد المتقدمة. يمكنك أن ترى السلاح، لكنك لا ترى البنية الحضارية التي أنتجته.
في القرون السابقة كان بإمكان الأمم أن تقلد أسلحة خصومها خلال فترة زمنية معقولة. أما في العصر الحديث فإن امتلاك غواصة نووية أو مقاتلة شبحية أو شبكة أقمار صناعية يتطلب قاعدة علمية وصناعية قد يستغرق بناؤها عقودًا طويلة. هنا لم يعد التفوق مجرد تفوق، بل أصبح احتكارًا نسبيًّا للقوة. ولعل هذا ما يفسر كيف استطاعت دول أوروبية صغيرة نسبيًّا أن تفرض سيطرتها على مناطق شاسعة من العالم خلال القرن التاسع عشر. لم يكن الأمر نتيجة شجاعة أكبر أو عبقرية فطرية خاصة، بل نتيجة تراكم طويل للعلم والصناعة والتنظيم والإدارة. فجأة أصبح من الممكن أن يواجه الرمح البندقية، وأن تواجه السفينة الشراعية البارجة الحديثة، وأن يجد جيش كامل نفسه أمام خصم يمتلك أدوات لا يستطيع حتى إنتاج نظائر لها.
ومنذ ذلك الوقت ترسخ في أذهان كثيرين أن الفجوة العسكرية ستظل تتسع إلى ما لا نهاية. فالدولة التي تمتلك التكنولوجيا الأكثر تقدمًا ستبقى دائمًا متفوقة، والدول الأقل تقدمًا لن يكون أمامها إلا محاولة اللحاق بها من مسافة بعيدة.
لكن التاريخ لا يتحرك في خط مستقيم. فبعد قرنين تقريبًا من اتساع الفجوة العسكرية بين الأمم، بدأت تظهر مؤشرات توحي بأن شيئًا ما يتغير. ولا أحد يستطيع الجزم بأننا أمام ثورة عسكرية جديدة، لكن من الصعب تجاهل ما يجري في ميادين القتال المعاصرة.
