بين الوعي الوطني ومسؤولية المثقف

بقلم / المهدي الفهري
إذا أردنا أن يكون الوطن هو البوصلة فعلينا أن نربط حياتنا بأهداف وليس بأشخاص، وبقيم وليس بأسماء، وهذا لا يعني القفز على التاريخ وتجاهل رجال الوطن وقاماته الذين كتبوا بدمائهم صفحات مشرقة ومشرّفة من تاريخه ونضاله القديم والحديث، ولا التنكر لكل ما قاموا به في سبيله من تضحيات عظيمة وأعمال جليلة في مختلف المجالات والمراحل، فقيمة الإنسان تأتي من خلال قدرته على العطاء، ولا تقاس من خلال قدرته على البقاء، وما يتحصل عليه من امتيازات.
والمثقف الحقيقي هو ذلك الذي يتمرد على الخوف والواقع الظالم، لأنه يدرك أن الخوف قاتل للإبداع، وهو الذي يمتلك العزم والإصرار، ويربط عقله ووجدانه بالوطن لا بغيره، ويسعى إلى فتح نوافذ الوعي ونشر الحقيقة وتعزيز الحس الوطني العميق الذي يحقق الوحدة الوطنية ويمنح الناس الأمل والإلهام، ويمكنهم من احتواء اختلافاتهم والانطلاق نحو آفاق أرحب، فمن لا يحمل في داخله وطنًا يستحق التضحية ولا يلبي نداءه عند الضرورة ودون انتظار مقابل فهو مهاجر غير شرعي وكمن يعيش بلا انتماء، ومن لا يسهم في إخماد نار الفتنة وتهدئة بؤر التوتر واحتواء الأزمات التي تعصف ببلاده فإنه متسلل وفاقد للهوية ويبتعد عن جوهر المواطنة الحقيقية.
والمواطن بطبيعته وسجيته يطرح من حين لآخر بعض الأسئلة والاستفهامات، ويبحث عن إجابات تطمئنه ويتطلع إلى معرفة ملامح المرحلة القادمة، ويأمل أن يكون المستقبل أفضل، وهنا يبرز دور المثقف في توضيح الحقائق كما يراها هو لا كما يراها ويريدها الآخرون، وفي التمسك والانحياز إلى ثوابت الأمة التي لا تتبدل تحت ضغط الأزمات ولا تتغير بتغير الزمن، بل تبقى راسخة ما بقي الأمل حيًّا، وقادرة على الاستمرار واستيعاب المتغيرات عِوُض الاصطدام بها.
إن المرحلة الراهنة تتطلب إعادة ترتيب الأولويات وأخذ زمام المبادرة وتبني مقاربات جديدة تقوم على تحقيق توزيع عادل للسلطة والثروة وبناء إجماع وطني حقيقي لاستكمال مسار تحرير الوطن من أي هيمنة خارجية وترسيخ مبدأ السيادة الوطنية على القرار السياسي، وهنا يبرز سؤال جوهري كيف يمكن الوصول إلى مؤسسات دستورية قادرة على إدارة الشأن العام بكفاءة واستعادة هيبة الدولة وشرعيتها؟ وكيف نضمن أن يتولى المسؤولية الأكفأ والأقدر بما يخدم مصلحة المواطن صاحب السلطة الأصلي ويحقق الاستقرار والتوازن بين السلطات؟
لقد سئم المواطنون التأجيل والانتظار وأصبحوا يبحثون عن حلول واقعية لأزماتهم المتراكمة، وهذا يفرض على الجميع مضاعفة الجهود وحشد الطاقات والعمل الجاد لصناعة واقع جديد أكثر إشراقًا وحيوية يعيد الثقة ويقوي التضامن ويمكننا من مواجهة التحديات الحاضرة والمستقبلية بتفاؤل وإرادة صلبة وببناء وطن موحد وقوي وقائم على أسس وقواعد متينة لا تزول بزوال الأشخاص.
