الأسرة الليبية في صلب الأمن القومي

متابعات – الموقف الليبي
شهدت مدينة بنغازي يومي 13 و14 يونيو 2026 انعقاد “مؤتمر الأسرة الليبية الرابع”، الذي نظمه صندوق دعم الزواج بالحكومة الليبية تحت رعاية مستشار الأمن القومي، وبمشاركة واسعة من الأكاديميين والباحثين والخبراء الاجتماعيين وممثلي مؤسسات الدولة والمجتمع المدني، في حدث عكس حجم الاهتمام الرسمي والمجتمعي بملف الأسرة الليبية باعتباره أحد أهم الملفات المرتبطة باستقرار الدولة ومستقبلها.
وافتتح المؤتمر رئيس صندوق دعم الزواج، محمد إبراهيم، حيث رحب في كلمة له بالمشاركين كافة، مشيرًا إلى أن انعقاده يأتي تنفيذًا لتوجيهات القائد العام بشأن دعوة الباحثين والخبراء إلى دراسة قضايا المجتمع ومعالجتها وفق رؤى علمية وعملية. كما ألقى ياسين الزوي، مستشار مجلس الأمن القومي، كلمة أكد فيها أهمية الأسرة باعتبارها الركيزة الأساسية لبناء المجتمع والحفاظ على تماسكه واستقراره.
الأسرة الليبية.. قضية أمن قومي
أبرز ما ميَّز الدورة الرابعة لمؤتمر الأسرة الليبية هو الطرح الذي تجاوز النظرة التقليدية للأسرة باعتبارها شأنًا اجتماعيًّا فحسب، لينتقل إلى اعتبارها جزءًا أساسيًّا من منظومة الأمن القومي الليبي. وقد أكد المؤتمر أن الأسرة المتماسكة تمثل خط الدفاع الأول عن قيم المجتمع وهويته الوطنية، وأن دعمها وحمايتها لا يقلان أهمية عن أي ملف أمني أو استراتيجي آخر، لأن المجتمعات القوية تبدأ من أسر مستقرة وقادرة على تربية أجيال واعية ومنتمية لوطنها.
ويعكس هذا التوجه فهمًا متقدمًا لمفهوم الأمن الوطني الذي لم يعد مقتصرًا على الحدود والجيوش والمؤسسات الأمنية، بل أصبح يشمل الأمن الاجتماعي والثقافي والاقتصادي والديموغرافي، باعتبار أن أي خلل يصيب الأسرة ينعكس بصورة مباشرة على استقرار المجتمع والدولة.
وقد تكرر هذا المفهوم في معظم الأوراق العلمية والمناقشات التي شهدها المؤتمر، حيث ربط الباحثون بين التماسك الأسري والأمن المجتمعي، وبين الهوية الوطنية والاستقرار السياسي، وبين التنمية البشرية وقدرة الدولة على مواجهة التحديات المستقبلية.
وأكد المنظمون أن استمرار انعقاد المؤتمر للعام الرابع على التوالي يعكس حجم الاهتمام الرسمي والمجتمعي بقضايا الأسرة الليبية، ويؤكد تنامي الوعي بأهمية الأسرة باعتبارها ركيزة أساسية للاستقرار والتنمية.
كما شددت الكلمات الافتتاحية على أن الأسرة تمثل حجر الأساس في بناء الإنسان والمجتمع، وأن دعمها وحمايتها مسؤولية وطنية مشتركة تتطلب تكامل جهود مؤسسات الدولة والقطاع الخاص ومؤسسات المجتمع المدني، بما يسهم في تعزيز الاستقرار الأسري وترسيخ القيم الوطنية ودعم مسارات التنمية والاستقرار في البلاد.
التحولات الديموغرافية ومستقبل المجتمع الليبي
استهل المؤتمر أعماله العلمية بالجلسة الأولى التي ترأسها الأستاذ الدكتور أحمد مصباح أسحيم، حيث ركزت الأوراق المقدمة على التحولات السكانية والديموغرافية وتأثيراتها على الأسرة والمجتمع.
واستعرض الدكتور محمد الفلاح في ورقته “ديناميكيات الخصوبة والتحولات الديموغرافية في ليبيا” جملة من المؤشرات السكانية الحديثة وانعكاساتها على التخطيط التنموي ومستقبل المجتمع الليبي.
فيما ناقش الأستاذ الدكتور عبدالكريم علي موضوع “جدلية الهوية والمواطنة في ليبيا”، مسلطًا الضوء على أهمية تعزيز الهوية الوطنية الجامعة في ظل المتغيرات الاجتماعية والثقافية.
كما تناول الدكتور عمر بوشعالة العلاقة بين المواطنة والهوية الوطنية والأمن القومي، مؤكدًا أن ترسيخ الانتماء الوطني يشكل أحد الضمانات الأساسية لاستقرار الدولة ووحدتها.
وقدم الدكتور محمد الهمالي دراسة حول الديناميكيات الديموغرافية ودورها في إعادة تشكيل الأسرة الليبية، موضحًا أن التحولات السكانية تؤثر -بصورة مباشرة- على البنية الأسرية والعلاقات الاجتماعية وأنماط الحياة.
وفي محور الأمن الغذائي والدوائي، استعرض الأستاذ الدكتور حكيم غريب والدكتور السعيد بن عزة ورقة علمية تناولت الاستراتيجية الوطنية للأمن الغذائي والدوائي في ليبيا، وأبرزت أهمية هذا الملف في تعزيز قدرة الدولة على مواجهة الأزمات وضمان استقرار المجتمع والأسرة.
العنف الأسري والهوية الاجتماعية
الجلسة الثانية التي ترأسها الأستاذ الدكتور محمد الوليد تناولت عددًا من القضايا الاجتماعية الحساسة التي تمس الأسرة الليبية بشكل مباشر.
وناقشت الأستاذة الدكتورة عازة بوغندورة قضية تنوع النسيج الاجتماعي الليبي بين تعزيز الهوية الوطنية ومخاطر التفكك، مشيرة إلى ضرورة المحافظة على التوازن بين التنوع الثقافي والوحدة الوطنية.
وسلط الأستاذ الدكتور خالد اسبيته والأستاذ سليمان موسى الضوء على تأثير منصات التواصل الاجتماعي في التماسك الأسري، حيث أوضحا أن الاستخدام غير المنضبط لهذه الوسائل بات يشكل تحديًا حقيقيًا للعلاقات الأسرية.
فيما تناول الأستاذ الدكتور مستور العوامي والأستاذة مريم الصالحين العوامل المؤدية إلى تدني معدلات الخصوبة لدى المرأة الليبية، مستعرضين مجموعة من المتغيرات الاقتصادية والاجتماعية والصحية المؤثرة في هذا الملف.
كما ناقش الدكتور جلال جمعة دور المواطنة في تعزيز الهوية الوطنية وترسيخ قيم الانتماء والمسؤولية لدى الأفراد.
القيم الدينية والتربية في مواجهة التحديات
خصصت الجلسة الثالثة، برئاسة الدكتور أحمد مفتاح ميلاد، لمناقشة القيم الدينية والتربوية وأثرها في استقرار الأسرة والمجتمع.
واستعرض الأستاذ الدكتور أحمد مصباح أسحيم دور القيم الدينية في المعاملات والآداب الأسرية، مؤكدًا أن الدين يمثل أحد أهم مصادر الاستقرار والتماسك داخل الأسرة.
وقدمت الدكتورة بسمة عمران ورقة بعنوان “أنماط الحوار داخل أسرتي.. النشأة والتكوين”، تناولت خلالها أهمية الحوار الأسري في بناء شخصية الأبناء وتعزيز العلاقات الأسرية السليمة.
كما ناقش الأستاذ الدكتور بالعيد الطاهر والدكتور عبدالسلام السنوسي دور المقررات الدراسية في تعزيز الانتماء للوطن وترسيخ الهوية الوطنية لدى الأجيال الجديدة.
وقدمت الأستاذة أحلام الرفادي دراسة حول التحول الرقمي وانعكاساته على التواصل الأسري، فيما تناول الدكتور يوسف امحمد والدكتورة حنان القاضي تأثير وسائل التواصل الاجتماعي على الأسرة الليبية.
أما الأستاذة أريج إبراهيم عبدالحميد فقد ركزت في ورقتها على دور التربية والتعليم في تحقيق الأمن المجتمعي لدى النشء وإعداد جيل قادر على تحمل مسؤولياته الوطنية.
الهوية الوطنية واستقرار الأسرة
في اليوم الثاني عقدت جلسة حوارية بعنوان “مقاربة تكاملية لتعزيز استقرار الأسرة الليبية وبناء الهوية الوطنية” برئاسة الأستاذة الدكتورة فاطمة الفلاح.
وشارك في الجلسة كل من الأستاذ الدكتور عبدالناصر بوخشيم، والأستاذة الدكتورة عبير أمنينة، والأستاذ الدكتور عبدالناصر شماطة، والأستاذ الدكتور سعد العبار، والأستاذ الدكتور محمد مرسال.
وتناولت الجلسة أهمية التكامل بين المؤسسات التعليمية والإعلامية والثقافية والاجتماعية في دعم الأسرة الليبية وتعزيز الهوية الوطنية، مع التأكيد على أن بناء الإنسان يمثل المدخل الحقيقي لتحقيق التنمية والاستقرار.
السكن والتعليم والإعلام الرقمي
شهدت الجلسة الرابعة، التي ترأستها الأستاذة الدكتورة عازة عمر بوغندورة، مناقشة عدد من الملفات المرتبطة بالاستقرار الأسري.
فقدمت الدكتورة جازية شعيتير ورقة بعنوان “حق السكن في ليبيا: الإطار القانوني للتحديات الراهنة وأفق الحلول المستدامة”، تناولت فيها أزمة السكن وتأثيرها على الشباب والأسر الناشئة.
كما ناقشت الأستاذة الدكتورة فايدة الورفلي دور التربية والتعليم في بناء وعي الأجيال وصناعة المستقبل.
واستعرضت الأستاذة فائزة محمد جابر أثر الوعي الأسري بالقيم الوطنية والهوية الليبية في ظل الإعلام الرقمي.
فيما قدمت الأستاذة الدكتورة سالمة الشاعري والدكتورة جميلة عبدالهادي والأستاذة هدى هيوب دراسة تناولت الانعكاسات الديموغرافية والاجتماعية على البيئة الأسرية في المجتمع الليبي.
كما ناقش الدكتور عمر المغربي والدكتورة إيمان الزردومي أهمية تكامل الأدوار التربوية للأسرة وعلاقتها بترسيخ الهوية الوطنية وبناء السلم الاجتماعي.
الأسرة والمواطنة والإعلام الرقمي
وفي الجلسة الخامسة والأخيرة التي ترأسها الأستاذ الدكتور عبدالكريم علي مصطفى، قدمت الأستاذة هنادي البراني والأستاذة غادة الترهوني دراسة ميدانية حول التواصل الزواجي وعلاقته بالاستقرار الأسري لدى عينة من المتزوجين بمدينة بنغازي.
كما ناقشت الدكتورة مبروكة خليفة عمر دور الأسرة في تنمية قيم المواطنة لدى الأبناء، فيما تناول الدكتور سالم بومريومة دور البيئة الأسرية في تعزيز قيم المواطنة.
وقدمت الأستاذة زينب محمود أذياب دراسة حول تأثير الوصم الاجتماعي للإعاقة على الأسرة الليبية، بينما ناقشت الأستاذة وسن النويصري أثر الإعلام الرقمي على استقرار الأسرة الليبية.
واختتم الأستاذ محمد نصيب محمد أوراق الجلسة بعرض حول إدارة التكامل بين صندوق دعم الزواج والقطاع الخاص لتحقيق الاستقرار الأسري ودعم الشباب المقبلين على الزواج.
توصيات استراتيجية
اختتم المؤتمر أعماله بإعلان مجموعة من التوصيات المهمة التي جاءت ثمرة للأبحاث والنقاشات العلمية.
ودعا المؤتمر مجلس الأمن القومي إلى اعتماد الأسرة الليبية ملفًّا من ملفات الأمن القومي، وإدراج مؤشرات الاستقرار الأسري والزواج والخصوبة والتماسك المجتمعي ضمن مؤشرات الأمن الوطني.
كما أوصى بإنشاء مرصد وطني للأسرة والسكان لرصد التحولات الديموغرافية والاجتماعية، وتعزيز الأمن الغذائي والدوائي، وربط السياسات السكانية بالتنمية الوطنية.
ودعت التوصيات إلى إطلاق استراتيجية وطنية لمواجهة التحديات الرقمية والحد من الإدمان الإلكتروني، وإنشاء مجلس أعلى لشؤون الأسرة لتوحيد السياسات الأسرية ومتابعة تنفيذها.
أما على مستوى صندوق دعم الزواج، فقد أوصى المؤتمر بتحويله من جهة مانحة إلى مؤسسة وطنية للتنمية الأسرية تقدم الدعم المالي والاجتماعي والنفسي والتوعوي، وإنشاء مراكز للإرشاد الأسري في مختلف البلديات، وإطلاق برامج تأهيل للمقبلين على الزواج.
كما أوصى بإنشاء مركز وطني للبحوث والاستشارات الأسرية، وإطلاق مبادرات لدعم الأسرة المنتجة وربط الدعم الأسري ببرامج التمكين الاقتصادي والتشغيل.
الأسرة استثمار في مستقبل ليبيا
أكد مؤتمر الأسرة الليبية الرابع أن بناء الدولة يبدأ من بناء الأسرة، وأن معالجة التحديات الاجتماعية والاقتصادية والثقافية لا يمكن أن تتم بمعزل عن دعم الأسرة وتمكينها. كما عكس توجهًا متقدمًا نحو إدماج قضايا الأسرة ضمن أولويات الأمن القومي والتنمية المستدامة، انطلاقًا من قناعة بأن الأسرة المستقرة تنتج مواطنًا صالحًا ومجتمعًا متماسكًا ودولة قوية قادرة على مواجهة التحديات.
وبذلك خرج المؤتمر برسالة واضحة مفادها أن الاستثمار في الأسرة الليبية ليس مجرد استثمار اجتماعي، بل هو استثمار استراتيجي في أمن ليبيا واستقرارها ومستقبل أجيالها القادمة.
