المليارات والحقنة المفقودة

بقلم / عفاف الفرجاني
راسلني صديق طالبًا مني نشر نداء استغاثة على صفحتي الشخصية من أجل شاب لم يتجاوز الخامسة عشرة من عمره، يعاني اضطرابًا مزمنًا في تخثر الدم، ويحتاج إلى إبر السيولة بصورة منتظمة. قد يظن البعض أن الأمر يتعلق بعلاج يمكن تأجيله أو بمرض يحتمل الانتظار حتى تتدبر الجهات المعنية أمرها، لكن الحقيقة أكثر قسوة من ذلك بكثير. فهذه ليست أدوية لتحسين جودة الحياة، ولا علاجًا تكميليًّا يمكن الاستغناء عنه مؤقتًا، بل هي خط الدفاع الأخير بين المريض والموت. إصابة بسيطة، نزيف مفاجئ، أو حادث عابر قد يكون كافيًا لإنهاء حياة شاب في عمر الزهور إذا لم يتوفر الدواء في الوقت المناسب. هذه الحالة ليست الوحيدة، بل هناك الآلاف منها يعانون نفس المشكلة.
ثمن هذه الحقنة في الصيدليات 3000 دينار، مع ذلك ليست متوفرة.
المأساة لا تكمن في المرض وحده، بل في الدولة التي تملك المليارات وتعجز عن تأمين حقنة قد تنقذ حياة مواطن. في مراحل سابقة من تاريخ ليبيا، كان المواطن يحصل على أدويته الأساسية دون أن يتحول إلى متسول على أبواب الجمعيات الخيرية أو أسير لنداءات الاستغاثة عبر مواقع التواصل الاجتماعي. كانت الدولة تستجلب الأدوية النادرة ومرتفعة التكلفة من الخارج وتوفرها مجانًا باعتبار الصحة حقًّا عامًّا لا امتيازًا طبقيًّا.
اليوم تكشف الأرقام وجهًا آخر للمشهد. فقد أظهر تقرير رقابي مشترك صادر عن ديوان المحاسبة والهيئة الوطنية لمكافحة الفساد أن الإنفاق على الدواء خلال الفترة من 2022 إلى 2025 بلغ نحو 11.82 مليار دينار ليبي. وارتفع الإنفاق إلى 4.15 مليار دينار في عام 2023 قبل أن يتراجع لاحقًا وسط ملاحظات تتعلق بضعف الحوكمة والتخطيط والرقابة. كما رصد التقرير مؤشرات احتكار وتضارب مصالح ومخالفات إدارية ومالية، إلى جانب تعطيل استيراد أدوية حيوية بقيمة تقارب 20 مليون يورو نتيجة سوء إدارة المخصصات المالية.
الأكثر استفزازًا أن المواطن الليبي يدفع أحيانًا أضعاف ما يدفعه المواطن الأوروبي ثمنًا للدواء ذاته. فبينما يباع أحد أدوية القلب في ألمانيا بما يعادل عشرات الدنانير، يصل سعره في ليبيا إلى مئات الدنانير. إنها مفارقة تختصر أزمة قطاع بأكمله.
في تقديري حين تتحول المليارات إلى أرقام في التقارير، ويتحول المرضى إلى مناشدات على صفحات فيسبوك، فإن القضية لم تعد أزمة دواء فحسب، بل فضيحة حكم وإدارة. فسرقة المال العام جريمة، أما سرقة حق المرضى في العلاج فهي جريمة مضاعفة، لأن ضحاياها لا يفقدون أموالهم فقط، بل يفقدون أعمارهم وحياتهم بصمت.
