سياسة الغنيمة

بقلم / محمد بوخروبة
في تعريفها الكلاسيكي توصف السياسة بأنها فن الممكن، أي القدرة على إدارة التوازنات وصياغة الحلول الواقعية ضمن حدود المعطيات القائمة، غير أن هذا التعريف حين يسقط على الحالة الليبية يبدو وكأنه ينتمي إلى عالم آخر لا يمت بصلة إلى الممارسة اليومية التي يشهدها المواطن، فبدلًا من أن تكون السياسة أداة لتنظيم الخلاف وإدارة الموارد وتحقيق الصالح العام، تحولت في ليبيا إلى مسرح صاخب للمهاترات، وساحة مفتوحة للخطابات الحماسية التي تفتقر إلى مضمون عملي أو رؤية قابلة للتنفيذ.
لقد شهدت ليبيا خلال السنوات الماضية انفجارًا في عدد الوجوه السياسية التي تتصدر المشهد الإعلامي، حتى بات السياسي أقرب إلى نجم شاشة منه إلى رجل دولة، البرامج الحوارية التي كان يفترض أن تكون منصات للنقاش الجاد وتبادل الرؤى، تحولت في كثير من الأحيان إلى حلبات استعراض يتبارى فيها الضيوف في إطلاق التصريحات النارية، وتبادل الاتهامات واستحضار الشعارات الأيديولوجية الجوفاء، وفي خضم هذا الضجيج يغيب النقاش الحقيقي حول القضايا الجوهرية التي تمس حياة المواطن اليومية: الاقتصاد والخدمات والأمن وبناء المؤسسات.
المشكلة لا تكمن فقط في الأداء الإعلامي، بل في طبيعة الفاعل السياسي ذاته، إذ يبدو أن نموذج رجل السياسة في ليبيا قد انحرف عن مساره الطبيعي، ليجمع بين نزعتين خطيرتين: الأولى اعتبار العمل السياسي طريقًا مختصرًا نحو الثروة والرفاهية، والثانية توظيف النفوذ السياسي كوسيلة لحماية هذه الثروة وتعظيمها، وهنا تتحول السياسة من خدمة عامة إلى مشروع استثماري، ومن مسؤولية وطنية إلى أداة للتمكين الشخصي.
هذا التشوه في فهم الدور السياسي انعكس بشكل مباشر على بنية المؤسسات، التي أصبحت في كثير من الأحيان رهينة الولاءات الشخصية والمصالح الضيقة، فبدلًا من أن تكون المؤسسات إطارًا محايدًا يخدم الجميع تحولت إلى أدوات تدار وفق منطق الغنيمة، حيث يتم توزيع المناصب والموارد على أساس القرب من مراكز النفوذ لا على أساس الكفاءة أو الاستحقاق، وفي ظل هذا الواقع يفقد المواطن ثقته في الدولة ويتعزز الشعور بأن السياسة ليست سوى لعبة مغلقة لا مكان فيها إلا لمن يمتلك القوة أو المال أو كليهما.
كما أن الخطاب الأيديولوجي الذي يفترض أن يكون موجهًا لبناء رؤى فكرية وسياسات عامة أصبح في ليبيا مجرد غطاء للفراغ، تستخدم الشعارات الكبيرة لإخفاء غياب البرامج الحقيقية، وتستحضر القضايا الكبرى لتبرير العجز عن معالجة التفاصيل اليومية، وهكذا يصبح الحديث عن الوطن والسيادة والشرعية مجرد أدوات لغوية في صراع على السلطة، لا تعكس بالضرورة التزامًا فعليًّا بهذه القيم.
ولا يمكن إغفال دور البيئة الإعلامية في تكريس هذا الواقع، فبعض المنصات الإعلامية بدلًا من أن تمارس دورها الرقابي والتنويري، انزلقت إلى منطق الإثارة، حيث تفضل المواجهات الساخنة على النقاشات العميقة، وتقدم الشخصيات الأكثر جدلًا على حساب الأكثر كفاءة، هذا التواطؤ غير المباشر بين السياسة والإعلام ساهم في إنتاج حالة من الضجيج المنظم، الذي يستهلك طاقة المجتمع دون أن يقدم حلولًا حقيقية.
لكن، ورغم هذا المشهد القاتم، لا يمكن القول إن الواقع الليبي محكوم عليه بالبقاء في هذه الدائرة المغلقة، فالتاريخ يثبت أن المجتمعات قادرة على تصحيح مساراتها متى ما توفرت الإرادة والوعي، البداية تكمن في إعادة تعريف السياسة في الوعي العام ليس بوصفها وسيلة للثراء أو الظهور، بل كمسؤولية تتطلب الكفاءة والنزاهة والالتزام.
كما أن بناء مؤسسات قوية وشفافة تخضع للمساءلة وتعمل وفق قواعد واضحة يعد خطوة أساسية لكسر حلقة الفساد والمحسوبية، فحين تصبح القواعد أقوى من الأفراد تتراجع فرص استغلال النفوذ ويصبح العمل السياسي أكثر ارتباطًا بخدمة الصالح العام.
من جهة أخرى يحتاج الإعلام إلى مراجعة دوره والانتقال من منطق المنصة إلى منطق المؤسسة، أي من مجرد استضافة الأصوات إلى مساءلتها وتحليلها وتقديمها في سياق يخدم وعي الجمهور، فالإعلام ليس مجرد ناقل للحدث، بل شريك في تشكيل الوعي العام.
أما المواطن فهو الحلقة الأهم في هذه المعادلة، فبقدر ما يكون واعيًا وناقدًا يستطيع أن يفرض معايير جديدة على الفاعلين السياسيين. المشاركة الواعية والمطالبة بالشفافية ورفض الخطاب الشعبوي، كلها أدوات يمكن أن تسهم في إعادة توجيه البوصلة.
لذا تبقى السياسة في جوهرها أداة نبيلة، لكنها قد تتحول إلى نقيضها حين تفرغ من محتواها الأخلاقي والمؤسسي، والحالة الليبية، رغم تعقيداتها، ليست استثناء من هذه القاعدة، فإما أن تستعيد السياسة معناها الحقيقي كفنٍّ لإدارة الممكن، أو تظل أسيرة خطاب أجوف وممارسات لا تنتج سوى مزيد من الأزمات، الخيار ليس قدرًا مفروضًا، بل نتيجة لوعي جماعي لم يتشكل بعد بالشكل الكافي لكنه بلا شك ممكن.
