بين السويس وهرمز.. من انكشاف الإمبراطوريات إلى تآكل الهيمنة

بقلم/ محمد نبيغ
لم تكن أزمة العدوان الثلاثي على مصر مجرد مواجهة عسكرية عابرة، بل لحظة مفصلية كشفت حدود القوة الإمبراطورية لكل من بريطانيا وفرنسا، ومهَّدت لانتقال مركز الثقل العالمي نحو الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي. لم يكن السقوط فجائيًّا، بل انكشافًا سرَّع مسارًا كان قد بدأ بالفعل.
اليوم، يُستدعى هذا الدرس في قراءة مشهد دولي مضطرب، يتصدره مضيق هرمز بوصفه أحد أكثر نقاط الاختناق الاستراتيجية حساسية في العالم. غير أن المقارنة المباشرة تظل محفوفة بالمخاطر التحليلية: فالتوتر بين الولايات المتحدة وإيران، رغم حدَّته، لم يتحول إلى لحظة كسر تاريخية تعيد تشكيل النظام الدولي، بل يعكس نمطًا من الردع المتبادل وحدود القدرة على فرض الإرادة.
في موازاة ذلك، تُطرح مؤشرات على تباينات داخل المعسكر الغربي. توسُّع إسبانيا في علاقاتها مع الصين يُقرأ في إطار براغماتية اقتصادية أكثر منه إعادة تموضع استراتيجي. كما لا تدعم الوقائع المتاحة أي إعلان من كندا بفك ارتباطها مع الولايات المتحدة، في ظل عمق الترابط الاقتصادي والأمني بين البلدين. وينطبق الأمر ذاته على إيطاليا، التي لا تزال جزءًا فاعلًا في بنية حلف الناتو، فيما تندرج خطوات فرنسا المتعلقة باحتياطاتها من الذهب ضمن سياسات سيادية تقليدية، لا تعكس قطيعة استراتيجية.
مع ذلك، فإن ما يتبلور تدريجيًّا هو واقع دولي مختلف: لم يعد الغرب كتلة صلبة كما في ذروة النظام أحادي القطب، بل فضاءً تحكمه تباينات المصالح وضغوط الطاقة وإعادة ترتيب الأولويات. هذا التباين لا يعني الانفصال، لكنه يحدُّ من قدرة واشنطن على قيادة إجماع غربي مطلق كما في السابق.
في المقابل، تمضي الصين في مسار صعود هادئ، قائم على الاقتصاد والتكنولوجيا وتوسيع النفوذ التجاري، دون اندفاع نحو صدام مباشر. إنه صعود يستفيد من أي فراغ نسبي، لا من انهيار مفاجئ.
خلاصة تحليلية: إذا كانت السويس قد مثَّلت لحظة انكشاف للإمبراطوريات الأوروبية، فإن المشهد الراهن لا يشير إلى “سقوط أمريكي” بقدر ما يعكس تآكلًا تدريجيًّا في الهيمنة، وتحوُّلًا بطيئًا نحو نظام دولي أكثر تعددية.
إنها صيرورة تاريخية تُكتب على مهل، لا صدمة واحدة تُعلن النهاية.
