تسييس التربية وتكفير المرأة

بقلم / عفاف الفرجاني
حدثتني إحدى الصديقات، وهي أستاذة جامعية، لها باع طويل في مجال التدريس، وهي تمرُّ من أمام مدرسة إعدادية في منطقة صلاح الدين بطرابلس، عن مشهد لم تستطع تجاوزه بسهولة. كان موعد انصراف الطالبات، لكن ما رأته لم يكن مجرد نهاية يوم دراسي عادي، بل صورة صادمة تعكس تحولًا مقلقًا في ملامح المجتمع. فتيات في عمر الطفولة، يرتدين جلابيب سوداء ثقيلة، أشبه بكتلة موحدة من السواد، ووجوه بالكاد ترى طفولتها وبراءتها، بينما تقف الأمهات بملابس أكثر عتمة وسوداوية، بنقاب أشبه إلى طيور الظلام، والرجال بلباس يوحي بانفصال تام عن البيئة الليبية المعتادة. للحظة، كما قالت، لم تشعر أنها في طرابلس، بل أمام مشهد مستورد من قندهار.
تقول: هذا المشهد لم أره حتى في بيت الله في السعودية، ومن المعروف لدى سكان العاصمة، أن هذه المنطقة تحوي الكثير من جماعات أنصار الشريعة الفارين من قبضة القوات المسلحة الليبية.
المسألة -حسب وجهة نظري- لا تتعلق بلباس ولا بحرية شخصية، بل بتحول فكري يتسلل إلى عقول النشء. حين يتحول الفضاء التعليمي، الذي يفترض أن يكون مساحة للمعرفة والعلم، إلى مساحة لإعادة تشكيل الوعي وفق رؤية مغلقة، فذلك ليس تفصيلًا عابرًا، بل مؤشر خطير على مسار يتشكل بصمت.
ما يحدث اليوم ليس معزولًا عن باقي قطاعات الدولة، موظفة تفصل من عملها لأنها لم تلتزم بزي مفروض خارج إطار القانون. وأصرت أن تكون معتدلة مثلما عاشت طول حياتها.
مواطنة أخرى تمنع من استخراج جواز سفر وتصويرها بدون غطاء للرأس. التضييق المتزايد على النساء تحت مبررات شكلية لا تستند إلى نص قانوني واضح. هذه الوقائع ليست فردية، بل تعكس توجهًا يتسع ويترسخ داخل مؤسسات يفترض أن تحمي الحقوق لا أن تقيدها.
الخطر الحقيقي لا يكمن فقط في المظاهر، بل في الفكرة التي تقف خلفها. فكرة إقصاء المرأة من المجال العام وإعادة تعريف دورها وفق تصور ضيق يلغي حضورها في التعليم والعمل والحياة. وهذا ليس مجرد ظلم اجتماعي، بل تهديد مباشر لبنية الدولة.
هناك حملة شرسة وممنهجة يقودها بعض المتشددين عبر وسائل التواصل، مدفوعة بخطاب تعبوي يستهدف تأليب الرأي العام ضد المرأة والتأثير على البسطاء في التفكير. وإذا كان التصدي مطلوبًا، فيجب أن يوجه لمن يخرق الأدب والأخلاق والقانون وينشر محتويات لا أخلاقية، لا أن يُصب على طفلات بريئات يسعين للتعلم وبناء مستقبلهن. فالتنشئة السليمة لا تُبنى على القهر ولا على فرض أنماط إقصائية، بل على تعليم رصين وبيئة صحية متوازنة تخرج شخصيات سوية وواعية. أما حين يُستبدل ذلك بالضغط والتشدد المفرط، فإن النتيجة لا تكون التزامًا حقيقيًّا، بل ردات فعل مشوهة تنتج جيلًا مضطربًا في هويته وسلوكه، وهو ما نرى ملامحه في نماذج منفلتة تملأ فضاءات التواصل الاجتماعي.
عليه، الصمت هنا ليس حيادًا بل تواطؤ. وإذا لم تتحرك الأصوات الواعية لوقف هذا الانحدار فإن ما نراه اليوم لن يكون سوى بداية لمسار أكثر قسوة.
ما يحدث خطير، فاليوم يعاد في طرابلس رسم المسار الذي بدأ في الشرق الليبي وفشل أنصاره الفارون من التكفيريين، بعد أن كان هامشيًّا أصبح يجد له موطئ قدم داخل مؤسسات الدولة نفسها.
في تقديري، لن نقف ونقدم الانتقادات لدور الحكومة، لأن الحكومة نفسها تتحرك ضمن دائرة نفوذ قوى دينية منظمة، ما يفتح الباب أمام مزيد من التمدد الفكري داخل مؤسسات يفترض أن تكون محايدة. فاستمرار هذا المسار دون مواجهة شعبوية قد يحوله إلى واقع دائم.
