ليبيا بين فوضى المبادرات ومنطق لعبة الرولي

بقلم/ عبد الله ميلاد المقري
ليبيا هي الدولة الوحيدة التي فاقت في عدد المبادرات السياسية التي اتُّخذت بشأنها، سواء أكانت دولية أم إقليمية أم محلية أم أممية. وقد صاحب ذلك ظهور علني واسع غطَّى مختلف المجالات. وفي هذا السياق، برزت أطراف خارجية كانت ضمن ما يمكن وصفه بالمؤامرة على الشعب الليبي ونظامه السياسي، حيث انتقلت من العدوان العسكري إلى تبنِّي مشاريع سياسية تخدم أغراضها ومصالحها، وتُسهم في زيادة تأزُّم الوضع على الأرض.
وللأسف، وجد هذا التوجه من تبنَّاه من الليبيين، حيث انخرط البعض في الارتماء في أحضان تلك القوى، كما وُظِّفت بعض القبائل في هرولة نحو عواصم مثل الدوحة وأبوظبي وباريس وروما، في سعيٍ إلى تحقيق مكاسب آنية. غير أن هذا المسعى لم يكن سوى سراب، إذ حاول بعض الفاسدين توظيفه لتحقيق مغنم مالي أو موقع في السلطة. ومع ذلك، لا يمكن إغفال وجود مبادرات نابعة من قوى وطنية وتجمعات قبلية رافضة لمخلَّفات ما يُوصف بالمؤامرة الكبرى على الوطن والشعب. غير أن القاسم المشترك بينها أنها غالبًا لا ترى النور، أو لا تفضي إلى نتائج تحقق الأهداف التي أُطلقت من أجلها، بسبب ما تعانيه من ضعف في البناء، أو تضارب في التوجهات، أو افتقارها لأدوات التنفيذ.
هذه المبادرات، رغم ما قد تحمله من حسن نية، لا تُشجِّع، حتى المتابعين، فضلًا عن المشاركين فيها أو الداعمين لها. ومع ذلك، يبقى هناك من نحفظ لهم الاحترام، ونترك الحكم في النهاية للزمن، الذي هو كفيل بتغيير القناعات، وقد يعيد الوعي إلى من انخرطوا في هذه المسارات عندما تتكشف لهم نتائجها المحدودة، أو يصيبهم الإحباط من فشلها.
إن تعدد هذه المبادرات يلفت انتباه المتابع القريب، حيث تصبح النتيجة واضحة: صراع بين مبادرات كثيرة، لا يصمد منها إلا الأقوى تأثيرًا والأكثر قدرة على فرض نفسه على الواقع المنقسم. وفي هذا السياق، تبرز مبادرة بعينها، تُقصي غيرها، وتنتصر في المشهد، ليس لأنها الأفضل وطنيًّا، بل لأنها الأكثر انسجامًا مع موازين القوى القائمة، وهكذا، تبقى ليبيا، منذ أكثر من خمسة عشر عامًا، دولة تعيش حالة اختطاف، تديرها قوى تُكرِّس الانقسام السياسي والجهوي والإداري، وينخرها الفساد في مختلف القطاعات: السياسية والاقتصادية والأمنية.
ومن زاوية وطنية، يُعدُّ هذا فشلًا ذريعًا، أما من زاوية من يديرون المشهد، فقد يُنظر إليه كنجاح مرحلي لإدارة الأزمة لا حلّها. وفي هذا الإطار، تأتي الاجتماعات الرباعية في روما، واللقاءات المزمع عقدها في جنيف، والحوار المُهيكل الذي تُشرف عليه بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا، والبيانات الصادرة بشأن الوصول إلى مراحل تنفيذية جديدة. غير أن هذه التحركات قد تنتهي، كما سابقاتها، إلى إعادة الملف إلى أدراج مجلس الأمن الدولي، ضمن سياسة إدارة الأزمة دون حل جذري.
في المحصلة، يبدو المشهد الليبي أقرب إلى لعبة الرولي؛ حيث تدور العجلة باستمرار، وتُطرح المبادرات تباعًا، بينما يبقى الشعب الليبي في موقع الانتظار، مترقبًا لحظة استعادة الوعي الجمعي، التي قد تتجسد في حراك شعبي واسع يُنهي حالة العبث، ويُسقط منظومات الفساد، ويفتح الطريق أمام بناء دولة وطنية يعود إليها مجدها وقوتها وسيادتها ويعود إلى الشعب الليبي العظيم حريته وكرامته.
