أيهم كممجي: السجن لم يكسرنا.. بل صقل وعينا ورسالتنا أن فلسطين شعب يستحق الحياة

حوار خاص
بعد سنوات طويلة قضاها في سجون الاحتلال الإسرائيلي، خرج الأسير الفلسطيني المحرر أيهم كممجي حاملًا تجربة إنسانية وسياسية عميقة، تشكَّلت بين جدران الزنازين وأروقة التحقيق، وتبلورت مع واحدة من أكثر العمليات الرمزية في تاريخ الحركة الأسيرة الفلسطينية، وهي عملية “نفق الحرية” من سجن جلبوع التي هزَّت منظومة الأمن الإسرائيلية وأعادت تسليط الضوء على قضية الأسرى.
في هذا الحوار الخاص، يتحدث كممجي عن أثر السجن في تشكيل وعيه السياسي والإنساني، وعن دلالات تجربة الهروب من جلبوع، كما يناقش واقع القضية الفلسطينية في ظل التحولات الإقليمية، ويقدِّم رؤيته لمستقبل المقاومة، ودور الحركة الأسيرة في إعادة صياغة المشروع الوطني الفلسطيني.
السجن كمدرسة لإعادة تشكيل الوعي
يقول أيهم كممجي إن تجربة الأسر، على قسوتها، لم تكن مجرد معاناة إنسانية، بل تحولت مع مرور الوقت إلى فضاء لإعادة بناء الذات وتطوير الوعي.
ويضيف: “السجن كان محطة مهمة في حياتي. صحيح أنه مكان قاسٍ، لكننا حاولنا أن نحوله إلى مساحة للتعلم والمعرفة. داخل السجن تمكنا من الدراسة والاطلاع على تجارب الشعوب وقضايا التاريخ والسياسة، وهذا أسهم في إعادة تشكيل رؤيتي للعالم”.
ويشير إلى أنه استثمر سنوات الأسر في التعليم، فحصل على بكالوريوس في التاريخ من جامعة الأقصى، وبكالوريوس في العلوم الاجتماعية من جامعة القدس المفتوحة، إضافة إلى ماجستير مهني من جامعة القاهرة، يجمع بين التنمية البشرية والعلوم السياسية والعلاقات الدولية والدراسات الشرعية.
ويقول: “أحمد الله على هذه الفرصة. المعرفة سلاح مهم، وهي جزء من معركة الوعي التي يخوضها الشعب الفلسطيني”.
“نفق الحرية”.. لحظة رمزية في تاريخ الصراع
عند الحديث عن عملية نفق الحرية من سجن جلبوع، يؤكد كممجي أنها لم تكن مجرد محاولة هروب من السجن، بل حدثًا رمزيًّا تجاوز حدود الجغرافيا الفلسطينية.
ويقول: “هذه العملية حملت رسالة قوية للعالم، وهي أن إرادة الإنسان قادرة على تحدي أكثر المنظومات الأمنية تعقيدًا. لم تكن القضية مجرد الهروب من السجن، بل إيصال رسالة بأن الشعب الفلسطيني لا يزال متمسكًا بحقه في الحرية”.
ويرى أن رمزية العملية تكمن أيضًا في بعدها الإنساني، مضيفًا: “الفلسطيني ليس مجرد صورة نمطية لمقاتل مستعد للموت. نحن بشر نبحث عن الحياة والحرية والأمان لأطفالنا وأهلنا، مثل أي شعب آخر في العالم”.
الحرية بين الفرح وألم المنفى
بعد خروجه من السجن، وجد كممجي نفسه أمام واقع جديد: الحرية ممزوجة بالمنفى. ويصف هذا الشعور بأنه تجربة معقدة تجمع بين الفرح والألم في آن واحد.
ويقول: “الحرية نعمة كبيرة، لكن البعد عن الوطن والأهل يظل جرحًا مفتوحًا. الإنسان بطبيعته مرتبط بأرضه وناسه، ولذلك فإن المنفى ليس أمرًا سهلًا”.
ومع ذلك، يؤكد أن هذه المرحلة تحمل أيضًا مسؤولية جديدة، مضيفًا: “اليوم أصبح لدينا دور أكبر في نقل معاناة الأسرى وقضية شعبنا إلى العالم. الحرية ليست فقط أن نخرج من السجن، بل أن نستثمرها في الدفاع عن قضيتنا”.
هل الإبعاد محاولة لكسر رمزية الأسرى؟
يرى كممجي أن سياسة الإبعاد قد تكون جزءًا من محاولة تقليل تأثير الأسرى المحررين في المجتمع الفلسطيني، لكنه يعتقد أن هذه السياسة قد تعطي نتيجة عكسية.
ويقول: “الأسير عندما يتحرر يصبح شاهدًا حيًّا على ما يجري داخل السجون. وجودنا خارج السجن يمنحنا مساحة أكبر للتحدث بحرية ونقل الحقيقة للعالم”.
ويضيف: “نحن اليوم نستطيع أن نستخدم الإعلام ووسائل التواصل لنقل معاناة الأسرى والدفاع عن حقوقهم، وهذا بحد ذاته شكل من أشكال النضال”.
التحولات الإقليمية وموقع القضية الفلسطينية
وعند سؤاله عن التحولات السياسية في المنطقة العربية وتأثيرها على القضية الفلسطينية، يرى كممجي أن العالم يمر بمرحلة انتقالية قد تكون حاسمة في مسار الصراع.
ويقول: “المنطقة تتجه نحو تحولات كبيرة، وهذه التحولات ستحدد ملامح المرحلة القادمة. كل موقف سياسي يُتخذ اليوم سيُسجل في التاريخ”.
ويضيف: “القضية الفلسطينية ستظل اختبارًا حقيقيًّا لمواقف الدول والشعوب، لأن العدالة فيها واضحة، والاحتلال واقع لا يمكن إنكاره”.
المقاومة فكرة لا تموت
يؤكد كممجي أن المقاومة ليست مجرد عمل عسكري، بل فكرة متجذرة في وعي الشعوب.
ويقول: “المقاومة في جوهرها فكرة. الأفكار لا تموت، بل تبقى وتنتقل من جيل إلى جيل. قد تتغير الوسائل والظروف، لكن فكرة الحرية تظل حاضرة”.
ويضيف: “التاريخ مملوء بأمثلة لشعوب قاومت الاحتلال حتى انتزعت حريتها. لذلك فإن المقاومة ستبقى جزءًا من معادلة الصراع”.
دروس السنوات الطويلة في الأسر
وعن أبرز ما تعلمه خلال سنوات الأسر، يقول كممجي إن الصبر وتحمل المسؤولية كانا من أهم الدروس التي خرج بها من تلك التجربة.
ويضيف: “تعرفت في السجن على قامات وطنية كبيرة من مختلف الفصائل الفلسطينية. هذه التجربة علمتنا أن القضية أكبر من أي تنظيم أو فصيل”.
ويؤكد أن تجربة الأسر عمقت لديه الشعور بالمسؤولية تجاه الشعب الفلسطيني.
الانقسام الفلسطيني.. جرح مفتوح
لا يخفي كممجي قلقه من استمرار الانقسام الفلسطيني، معتبرًا أنه من أخطر التحديات التي تواجه القضية.
ويقول: “الانقسام كان ضربة مؤلمة لشعبنا، لأنه جاء من داخل البيت الفلسطيني. الوحدة الوطنية ليست خيارًا سياسيًّا فقط، بل ضرورة وجودية”.
ويضيف: “التضحيات التي قدمها الشعب الفلسطيني تستحق مشروعًا وطنيًا موحدًا يحميها ويحولها إلى إنجاز سياسي”.
دور الحركة الأسيرة في المستقبل السياسي
يرى كممجي أن الحركة الأسيرة يمكن أن تلعب دورًا مهمًّا في إعادة صياغة المشروع الوطني الفلسطيني.
ويقول: “الأسرى يمثلون تجربة نضالية وإنسانية عميقة، وكثير من القيادات الفلسطينية مرت بتجربة الأسر. هذه التجربة تمنحهم فهمًا مختلفًا لطبيعة الصراع”.
ويضيف: “الحركة الأسيرة كانت دائمًا مدرسة للوحدة الوطنية، لأنها تجمع أبناء مختلف الفصائل تحت هدف واحد”.
رسالة الأسرى إلى العالم
يوجه كممجي رسالة واضحة إلى المجتمع الدولي بشأن أوضاع الأسرى الفلسطينيين في السجون الإسرائيلية.
ويقول: “الأسرى يعيشون ظروفًا قاسية للغاية. هناك معاناة يومية من التعذيب والحرمان والعزل. هذه ليست قضية سياسية فقط، بل قضية إنسانية يجب أن تهم كل أحرار العالم”.
ويضيف: “نحن نخاطب الضمير الإنساني قبل أي شيء آخر”.
ما الذي يخشاه على مستقبل القضية؟
وعند سؤاله عن أكثر ما يخشاه على مستقبل القضية الفلسطينية، يؤكد كممجي أن الخطر الحقيقي يكمن في فقدان الأمل أو الاستسلام.
ويقول: “طالما بقي هناك أحرار في العالم، وطالما استمر صوتنا في الوصول إلى الناس، فإن القضية لن تضيع”.
ويضيف: “التاريخ يثبت أن الشعوب التي تتمسك بحقها في الحرية تنتصر في النهاية”.
مصر.. محطة جديدة في مسار النضال
يتحدث كممجي أيضًا عن تجربته بعد الإبعاد وإقامته في مصر، واصفًا هذه المرحلة بأنها بداية جديدة.
ويقول: “مصر بالنسبة إليَّ كانت احتضانًا حقيقيًّا. وجدت فيها محبة الناس ودفء العلاقات، وهذا يخفف كثيرًا من ألم الغربة”.
ويضيف: “صحيح أن البعد عن الوطن صعب، لكن هذه المرحلة تمنحني فرصة للتأمل وتجديد العهد مع الشهداء ومع القضية”.
كيف يريد أن يُذكر اسمه؟
وفي ختام الحوار، يرفض كممجي الحديث عن نفسه كبطل، مؤكدًا أن القضية أكبر من الأفراد.
ويقول: “لا يهمني أن يُذكر اسمي كبطل أو كقصة هروب من السجن. ما يهمني هو أن يقال إنني سرت على درب من سبقوني، ولم أبع ضميري أو وطني”.
ويختتم قائلًا: “فلسطين ليست مجرد قضية سياسية، بل قصة شعب يبحث عن حقه الطبيعي في الحياة والحرية”.
