عندما تتغلب الشهوة على المبادئ: كيف بدأ العالم رحلته نحو الهاوية

فراس الحجازي
البداية من النفس البشرية، ذلك الشعور الذي نسميه (الكرامة وعزة النفس). فالكرامة هي إيماننا الفطري بقيمتنا كبشر، وعزة النفس هي الدرع الذي نحمي به هذه القيمة، ورفضنا لأي فعل أو كلمة تقلل من شأنها، ولكن هذا البناء النفسي الشامخ لا يبنى على فراغ، إنه يرتكز على أسس متينة من المبادئ والأخلاق.
الشخص صاحب المبدأ يرى في التنازل عن قناعاته إهانة لكرامته، تأبى عليه عزة نفسه أن يسقط في وحل الخيانة لقناعاته، حتى لو كان الثمن باهظًا، فالمبدأ هو البوصلة التي توجه عزة النفس لتميز بين الكبرياء الأجوف والرفعة الحقيقية.
وعلى الجانب الآخر من النفس البشرية توجد الغريزة، وهي الدافع الفطري الذي يهدف إلى بقاء الإنسان وتكاثر نوعه، وهي تعبر عن نفسها عمليًّا من خلال الشهوة، تلك الرغبة التي تدفعنا نحو إشباع حاجاتنا من طعام، ومال، وسلطة، ونفوذ أو جنس، وهنا مكمن الصراع الأبدي، الذي يشكل إنسانيتنا ويختبرها في كل لحظة. إنه الصراع الداخلي بين المبادئ والغريزة، فالإنسان الذي تنتصر عنده مبادئه يتغلب على طبيعته الحيوانية ويصبح ملك نفسه، أما من تستعبده شهواته فيصبح عبدًا لها مهما بلغ من قوة أو ثراء. هذا الصراع المصغر داخل كل فرد منا هو نفسه الذي يحدث بشكل أكبر وأكثر تدميرًا بين الأمم والحضارات.
لو نظرنا إلى الأمم والإمبراطوريات الكبرى التي حكمت العالم نجدها تجسيدًا للصراع بين الشهوة والمبادئ، فكم من أمم حكمت انتصارًا لمبادئها، وانهارت واندثرت لتغلب شهوتها، ولو نظرنا إلى التاريخ الحديث فسنجده أيضًا صراعًا ببن قوتين، إما بدافع الشهوة أو المبادئ.
الرأسمالية تعطي كامل الحرية لغريزة الشهوة الفردية، فهي تشجع على الربح والمنافسة والتملك، وتعتبرها المحرك الأساسي للإبداع والتقدم الاقتصادي، انطلاقًا من فكرة أن هذه الأنانية الفردية تتحول إلى منفعة جماعية تحت شعار (دعه يعمل دعه يمر). في المقابل، نجد الاشتراكية، متمسكة بمبدأ أخلاقي يسعى إلى احتواء الغريزة الفردية التي تراها تقود إلى الظلم والاستغلال، كما تحاول تهذيب هذه الشهوة وتعطي أولوية للجماعة على حساب الفرد.
هذا الصدام الفكري والعميق بين فلسفتين ترى في الغريزة قوة يجب تحريرها والثانية تجدها وحشًا يجب ترويضه.. حسمته الحرب الباردة بانهيار الاتحاد السوفيتي، وظهر وكأنه انتصار للحرية والديموقراطية، ولكن لو نظرنا من زاوية أعمق فسنكتشف أنه انتصار الشهوة على المبادئ، لقد انتصر النموذج الذي يعبر عن شهوة الاستهلاك والربح على النموذج الذي حاول ولو نظريًّا أن يضع المبدأ فوق الغريزة، ولكن هذا الانتصار لم يؤسس لعالم أكثر أخلاقيًّا بالرغم من الشعارات التي يرفعها من حرية تعبير وحقوق الإنسان والديموقراطية، لأنه فتح الباب أمام شهوة جامحة بلا رادع وعالم أحادي القطب تتحكم فيه قوة عظمى لا يردعها أي شيء لتبدأ مرحلة جديدة وأكثر خطورة قد تؤدي بهذا العالم إلى الهاوية.
