ملفات وتقارير

“سلطة الجولاني” تسلم سوريا للكيان الصهيوني

تقرير ـ سيد العبيدي

تعيش سوريا الآن مرحلة بالغة الخطورة، لا تتعلق فقط بسقوط النظام السوري السابق وصعود سلطة أحمد الشرع “الجولاني”، وإنما بإعادة تشكيل الدولة السورية ومؤسساتها العسكرية والأمنية، بالتزامن مع توسع متواصل للكيان الصهيوني داخل الأراضي السورية، ووجود مفاوضات أمنية مباشرة وغير مباشرة بين دمشق والعدو الصهيوني، وسط مخاوف شعبية وعربية من تكرار حادثة الجاسوس الصهيوني إيلي كوهين في شخص “الجولاني”.

وفي قلب هذا المشهد تبرز أسئلة عديدة حول مستقبل السيادة السورية، وحدود الدور الصهيوني، وطبيعة العلاقة بين السلطة الجديدة في دمشق وكل من الولايات المتحدة وتركيا والكيان، وما إذا كانت الترتيبات الحالية تمهد لتحويل الجنوب السوري إلى منطقة نفوذ وأمن دائم للصهاينة.

من إسقاط النظام إلى تفكيك الجيش

ولعل أخطر التحولات التي أعقبت سقوط النظام السوري في ديسمبر 2024 هو حل الجيش والأجهزة الأمنية التابعة للنظام السابق، والبدء في تشكيل مؤسسة عسكرية جديدة تعتمد بدرجة كبيرة على المرتزقة الأجانب الذين قاتلوا ضد النظام السابق، حيث تشير التقارير الواردة من سوريا إلى أن عملية إعادة تشكيل الجيش لم تقتصر على المقاتلين السوريين فقط، بل شملت مرتزقة أجانب من عدة دول.

وتشير دراسة صادرة عن مركز مكافحة الإرهاب في الأكاديمية العسكرية الأمريكية “ويست بوينت” إلى دمج نحو 3500 مقاتل أجنبي، معظمهم من الإيغور المنتمين إلى الحزب الإسلامي التركستاني، إلى جانب مقاتلين شيشان وداغستانيين، ضمن الفرقة 84 في القوات المسلحة السورية الجديدة. كما تشير الدراسة إلى أن عملية دمج الفصائل لا تزال تواجه مشكلات تتعلق بتعدد الولاءات والانضباط وغياب الخبرة المؤسسية الموحدة.

وهنا تبرز مفارقة لافتة؛ ففي الوقت الذي جرى فيه تفكيك المؤسسة العسكرية الوطنية، كان الكيان يشن ضربات واسعة على مخازن الأسلحة والمنشآت العسكرية والدفاعات الجوية السورية.

وتوثق وكالة الاتحاد الأوروبي للجوء أن الكيان الصهيوني تقدم بعد سقوط الأسد داخل المنطقة العازلة الخاضعة لمراقبة الأمم المتحدة، وأنشأ مواقع عسكرية في مناطق من القنيطرة ودرعا، بالتزامن مع تنفيذ ضربات جوية وعمليات برية داخل الأراضي السورية.

وبذلك نشأ واقع جديد: جيش سوري يجري بناؤه من الفصائل والمقاتلين السابقين، مقابل جيش صهيوني يتحرك داخل الأراضي السورية ويدمر البنية العسكرية التي كانت قائمة، دون رد من السلطة الحالية.

الفصائل جزء من مشروع صهيوني

من أكثر الملفات التي تحتاج إلى تدقيق في قراءة المشهد السوري العلاقة القديمة بين الكيان الصهيوني والفصائل المسلحة في الجنوب السوري، فالمؤكد أن الكيان قدم خلال سنوات الحرب السورية مساعدات إنسانية وطبية لسكان ومقاتلين في مناطق الجنوب، وأقام قنوات اتصال مع مجموعات مسلحة بالقرب من حدودها.

وبحسب تقارير حقوقية، الثابت اليوم أن عددًا من المقاتلين الأجانب الذين قاتلوا ضمن المليشيات المسلحة أصبحوا جزءًا من الجيش السوري الجديد، في عملية إعادة هيكلة عسكرية ما زالت موضع نقاش داخل سوريا وخارجها.

إيلي كوهين.. إشارة مبكرة إلى قنوات الاتصال

ومن الوقائع التي أثارت جدلًا واسعًا ملف الجاسوس الصهيوني إيلي كوهين، الذي أعدمته سوريا عام 1965 بعد اختراقه دوائر سياسية وعسكرية رفيعة. وأعيدت في 2025 مقتنيات ووثائق مرتبطة به إلى الكيان، في عملية أثارت أسئلة حول طبيعة القنوات التي فتحت بين السلطة الجديدة في دمشق والكيان الصهيوني.

وتكتسب هذه القضية أهميتها من رمزية كوهين نفسه، ومن توقيتها، إذ جاءت في مرحلة بدأت فيها اتصالات أمنية بين دمشق والصهاينة؛ لكن الأهم أن هذه الاتصالات لم تعد مجرد تكهنات؛ فقد أعلن أحمد الشرع “الجولاني” في يوليو 2026 أن سوريا تسعى بالفعل إلى اتفاق أمني مع الكيان الصهيوني، مؤكدًا أن دمشق تعمل على ترتيبات بمشاركة دول أخرى، وأنها تأمل أن تكون مقدمة لتسوية أوسع.

العدو يدمر الجيش السوري ويتقدم على الأرض

بعد سقوط النظام السوري، لم يكتف الكيان الصهيوني بالضربات الجوية وتدمير البنية العسكرية للجيش العربي السوري، بل تقدم الكيان إلى داخل المنطقة العازلة التي كانت تشرف عليها الأمم المتحدة، وأنشأ مواقع عسكرية تمتد من جبل الشيخ باتجاه القنيطرة وأجزاء من درعا، إضافة إلى نقاط تفتيش ودوريات وتحركات برية.

وتشير بيانات أخرى إلى أن الكيان الصهيوني أقام مواقع عسكرية داخل الأراضي السورية، بينما استمرت عمليات القصف الجوي والمدفعي حتى الآن رغم التنازلات التي تقدمها سلطة “الجولاني” إلى الصهاينة والأمريكان.

حادثة جبل الشيخ وزيارة نتنياهو

وفي 9 سبتمبر الجاري، زار رئيس الوزراء الصهيوني بنيامين نتنياهو ووزير حربه يسرئيل كاتس موقعًا عسكريًّا على جبل الشيخ داخل الأراضي السورية، برفقة عدد من القادة العسكريين. وخلال الزيارة تحدث نتنياهو عن السيطرة الصهيونية على المنطقة، بينما أكد كاتس أن القوات الصهيونية ستبقى في الموقع، ووصفه بأنه جزء من “منطقة أمنية”. ولم ترد سلطة الجولاني على الزيارة باعتبارها انتهاكًا لسيادة سوريا. ودعت فقط عبر بيان ركيك إلى العودة إلى اتفاق فض الاشتباك لعام 1974.

وقال نتنياهو خلال وجوده على قمة جبل الشيخ، إن دمشق “هنا” ولبنان “هناك”، وإن القوات الصهيونية تسيطر على المنطقة الممتدة من قمة جبل الشيخ إلى نهر اليرموك ومن هناك إلى البحر المتوسط، كما أكد أن الكيان لن يسمح لأي جيش إرهابي بأن يرسخ وجوده على حدودها. وفي المقابل، وجه كاتس رسالة مباشرة إلى أحمد الشرع، قائلًا إن الرئيس السوري يبعد نحو 35 كيلومترًا عن موقعه في دمشق، وإن القوات الصهيونية موجودة في جبل الشيخ وفي “المنطقة الأمنية”، مضيفًا بوضوح: “لن نتحرك من هنا”.

الجنوب السوري يتحول إلى حزام أمني

وتشير المعطيات الميدانية إلى أن القوات الصهيونية رسخت وجودًا متزايدًا في القنيطرة ودرعا، وأنشأت مواقع ونقاطًا عسكرية وأقامت نقاط تفتيش وقيودًا على الحركة.

وكانت القوات الصهيونية قد تقدمت إلى مناطق تقع خارج خط الفصل لعام 1974، وأقامت مواقع عسكرية في القنيطرة ودرعا، بينما سجلت مصادر أخرى مئات التوغلات الصهيونية خلال الفترة التالية لسقوط النظام السوري.

وفي سبتمبر وحده، وثق المرصد السوري لحقوق الإنسان 45 توغلًا وتحركًا عسكريًّا صهيونيًّا خلال أول أسبوعين من الشهر، شملت القنيطرة ودرعا وريف دمشق، إلى جانب عمليات دهم واحتجاز ونقاط تفتيش وتحركات جوية.

السويداء وورقة الدروز

إلى ذلك دخل ملف الدروز في السويداء أيضًا على خط الأزمة، فالكيان قدم تدخلاته في الجنوب باعتباره مرتبطًا بحماية الدروز ومنع ما يعتبره تهديدًا أمنيًّا له. وتشير بيانات الاتحاد الأوروبي للجوء إلى أن أجزاء واسعة من السويداء كانت خلال 2026 تحت نفوذ جماعات درزية محلية.

وبالتالي أصبحت السويداء واحدة من أهم مفاتيح الصراع على مستقبل الجنوب، فالمتداول أن دمشق تريد إعادة فرض سلطة الدولة، والصهيونية تريد ترتيبات أمنية تمنع وجود قوات سورية قوية بالقرب من حدودها، بينما يصف خبراء ما يحدث بالتناقض من جانب “سلطة الجولاني” كونها تتحدث عن ضم السويداء تحت سلطة الدولة وفي الواقع تتفاوض مع الكيان على منطقة أمنية في الجنوب تشمل السويداء نفسها.

الأكراد.. اتفاق آخر لإعادة ترتيب سوريا

وفي شمال شرق البلاد، تسعى حكومة الشرع إلى دمج قوات سوريا الديمقراطية ومؤسسات الإدارة الكردية ضمن مؤسسات الدولة. ويشير أحدث التقارير إلى تقدم في تنفيذ اتفاق الدمج، لكنه يواجه مقاومة ومخاوف كردية بشأن الحقوق السياسية والثقافية، إضافة إلى خلافات حول مستقبل بعض الوحدات العسكرية والأمنية الكردية.

وبذلك تواجه “سلطة الجولاني” في دمشق في وقت واحد ملفات متعددة، الأكراد في الشمال، الدروز في الجنوب، الفصائل المسلحة في الداخل، المقاتلين الأجانب في الجيش الجديد، والوجود الصهيوني المتوسع على الحدود.

سوريا ساحة لتوازنات متعددة

ولا يمكن فهم مستقبل سوريا من دون النظر إلى القوى الخارجية، حيث تملك تركيا نفوذًا واسعًا في الشمال السوري، والولايات المتحدة تؤثر في ملفات العقوبات وإعادة دمج سوريا في النظام الدولي والعلاقة مع الأكراد، بينما تحاول روسيا الحفاظ على وجودها العسكري في الساحل.

وفي سبتمبر 2026، وصلت سفن روسية إلى طرطوس وقاعدة حميميم، في أول عملية إعادة إمداد منذ اتفاق عسكري جديد بين موسكو ودمشق في أغسطس، مع استمرار الوجود العسكري الروسي وفقًا للترتيبات الجديدة.

وهذا يعني أن سوريا الجديدة لم تتحول إلى ساحة نفوذ صهيونية منفردة، وإنما أصبحت ساحة تتقاطع فيها مصالح أمريكية وتركية وروسية وصهيونية.

الاقتصاد.. والتململ الشعبي

إلى ذلك لا تقتصر الضغوط على الأمن والسياسة فقط، فالاقتصاد السوري يعاني آثار سنوات الحرب والعقوبات والدمار، بينما أثارت قرارات رفع أسعار الوقود في سبتمبر احتجاجات واسعة. وارتفعت أسعار الديزل بنحو 40% والبنزين بنحو 30%، وهو ما انعكس على النقل وتكاليف المعيشة، في وقت يعتمد فيه الاقتصاد السوري بدرجة كبيرة على واردات الطاقة.

وبذلك تواجه “سلطة الجولاني” معركة مزدوجة: إعادة بناء الدولة من الداخل، والتعامل مع الضغوط الخارجية التي تعيد تشكيل حدود النفوذ والسيطرة.

زر الذهاب إلى الأعلى