مقالات الرأي

ساعي البريد.. والرسائل المشتعلة


بقلم / عفاف الفرجاني
ما نشاهده اليوم ليس مجرد ضربات أمريكية ضد إيران في إطار تصعيد عسكري عابر يمكن تفسيره كنوع من الردع، بل تمثل تعبيرًا صريحًا عن صراع أعمق يتعلق بشكل النظام الدولي وحدوده.
في تقديري تبدو الولايات المتحدة في هذه المرحلة، وخصوصًا في ظل خطاب إدارة الرئيس الأمريكي ترامب، تريد أن تعيد إعلان نفسها مرجعية سيادية منفردة، ليس فوق جغرافيا الشرق الأوسط فقط، بل للعالم، فترامب لم يتوارَ عن خطف رئيس فنزويلا مادورو في نقل مباشر أمام شاشات التلفزيون، أمريكا الجديدة لا تعتبر نفسها طرفًا في توازنات دولية، بل تعتبر نفسها صاحبة اليد العليا في إعادة خلط خرائط النفوذ ولو تعارض ذلك مع روح القانون الدولي ومواقف المجتمع الدولي، إذ تقدم القوة العسكرية، ورسالة ردع تؤكد أن واشنطن لا ترى في الاعتراضات الحقوقية أو التحفظات الدبلوماسية سوى ضجيج هامشي أمام إرادة الهيمنة وإعادة ترتيب المشهد الإقليمي وفق حساباتها الخاصة.
واشنطن تدرك أن مرحلة الهيمنة المطلقة التي تلت انهيار الاتحاد السوفيتي لم تعد مستقرة كما كانت، وأن صعود الصين اقتصاديًّا وعسكريًّا وعودة روسيا لاعبًا مؤثرًا وصعود نجم بعض قادة إفريقيا، بالإضافة إلى ملفات أوكرانيا وسوريا والطاقة العالمية فرضت واقعًا جديدًا يهدد منطق القطب الواحد. لذلك تبدو هذه الضربات رسالة مركبة، موجهة إلى طهران من جهة، لكنها تحمل في جوهرها إشارات أوسع إلى كل قوة تفكر في تعديل ميزان الردع خارج الإرادة الأمريكية.
الدعم العلني لإسرائيل في هذا السياق لا يقتصر على تحالف تقليدي، بل يعكس رغبة في تثبيت معادلة إقليمية تكون فيها واشنطن الضامن الوحيد لأمن المنطقة وصاحبة الكلمة العليا في رسم خطوط الاشتباك. غير أن المشهد يصبح أكثر تعقيدًا حين ننظر إلى القواعد العسكرية المنتشرة في الخليج، في دول مثل قطر والإمارات والكويت وعمان، حيث تتحول الجغرافيا العربية إلى منصة متقدمة في أي مواجهة محتملة.
السؤال الذي يطرح نفسه:
اليوم وبعد ما تعرضت له القواعد الأمريكية في المنطقة العربية وحالة الفزع الذي تعيشه عواصم العرب، تأخذنا إلى حقيقة أن ليبيا في مطلع السبعينيات، كانت تجيد التصور، إن تحييد الوجود العسكري الأجنبي قد يبعد البلاد عن أن تكون ساحة صراع مباشر أو هدفًا لرسائل انتقامية بين قوى كبرى، واليوم حسب ما هو واضح، كان إجلاء القواعد العسكرية الأجنبية استحقاقًا وطنيًّا عندما فرضت علينا قواعد عسكرية لأمريكا في ليبيا وتخلصنا منها في عهد الشهيد معمر القذافي.
اليوم حلفاء أمريكا من الدول المسلمة التي قبلت هذا الدور وهي تدرك أن أراضيها قد تصبح مسرحًا لرسائل نارية متبادلة لحرب قد تكون كونية هل يمكن أن تجد نفسها في لحظة تصعيد كبش فداء في صراع يتجاوز حساباتها الوطنية؟ ثم ماذا عن الهلال الإفريقي والبحر الأحمر، هل سنشهد توسيع دائرة الضغط نحو تلك الخاصرة الاستراتيجية الحساسة؟
ما يجري اليوم من ضربات عسكرية جوية هو تحذير يتجاوز إيران ليطال موسكو وبكين والهلال الإفريقي، هذه معركة إعادة تشكيل التوازن العالمي بين قوة تسعى إلى تثبيت تفوقها وقوى أخرى تحاول كسره، فيما يبقى العرب أمام اختبار صعب بين ضرورات التحالف ومقتضيات السيادة والقرار المستقل.

زر الذهاب إلى الأعلى