من طهران تبدأ الخرائط

محمد بوخروبة
الشرق الأوسط الجديد يبدأ من إيران.. ليس شعارًا دعائيًّا ولا عنوانًا عابرًا في نشرة أخبار، بل عبارة تختزل لحظة مفصلية في تاريخ المنطقة، فالضربة الأمريكية والإسرائيلية الأخيرة على إيران لا يمكن قراءتها بوصفها حدثًا عسكريًّا محدودًا أو رسالة ردع عابرة، بل هي فصل من فصول إعادة تشكيل توازنات الإقليم وربما خرائطه السياسية والديموغرافية.
منذ انتصار الثورة الإسلامية عام 1979 بقيادة روح الله الخميني، تحولت إيران إلى لاعب مركزي في معادلة الشرق الأوسط، لم تكن طهران دولة تقليدية تسعى إلى تأمين حدودها فحسب، بل تبنت مشروعًا إقليميًّا عابرًا للحدود يستند إلى شبكة نفوذ ممتدة من العراق إلى سوريا ولبنان وصولًا إلى اليمن، ومع صعود علي خامنئي ترسخت هذه الاستراتيجية، وجرى توسيع أدواتها عبر أذرع عسكرية وسياسية متعددة.
في المقابل لم تكن الولايات المتحدة منذ غزو العراق عام 2003 بعيدة عن إعادة صياغة الجغرافيا السياسية للمنطقة، فقد أدى إسقاط نظام صدام حسين إلى فتح فراغ استراتيجي واسع ملأته قوى إقليمية وفي مقدمتها إيران، ومنذ ذلك التاريخ أصبح العراق ساحة تماس مباشرة بين النفوذ الأمريكي والإيراني، وتحول إلى مختبر لتوازنات دقيقة وهشة في آن.
أما إسرائيل التي ترى في البرنامج النووي الإيراني تهديدًا وجوديًّا، فقد تعاملت مع طهران بوصفها الخصم الأخطر في معادلة الأمن القومي، وتحت قيادة بنيامين نتنياهو صعدت تل أبيب خطابها وممارساتها، معتبرة أن أي تموضع إيراني عسكري في سوريا أو لبنان هو خط أحمر لا يمكن التساهل معه، وبالتالي فإن أي ضربة مشتركة أو منسقة مع واشنطن لا تقرأ فقط في إطار الردع، بل في سياق محاولة كسر معادلة النفوذ الإيراني المتصاعد.
غير أن المسألة تتجاوز الحسابات العسكرية المباشرة، فالتاريخ الحديث للشرق الأوسط يعلمنا أن الضربات العسكرية الكبرى غالبًا ما تكون بوابة لتحولات ديموغرافية وحدودية عميقة، ما حدث في العراق بعد 2003 لم يكن مجرد تغيير نظام، بل إعادة تشكيل للنسيج الاجتماعي والسياسي، وفتح الباب أمام انقسامات طائفية وعرقية أعادت رسم خرائط النفوذ داخل الدولة الواحدة، وفي سوريا، منذ عام 2011 تحولت الحرب إلى مسار معقد من التهجير وإعادة توزيع السكان، بما يحمل في طياته احتمالات إعادة تعريف الحدود الفعلية، حتى وإن بقيت الخطوط الرسمية على الخرائط كما هي.
من هنا، فإن أي مواجهة واسعة مع إيران قد تتجاوز حدودها الجغرافية، فإيران ليست جزيرة معزولة، بل مركز شبكة مترابطة من التحالفات والخصومات، أي تصعيد كبير قد يشعل جبهات متعددة في الخليج، حيث أمن الطاقة والممرات البحرية، في العراق حيث التوازنات هشة، في سوريا ولبنان حيث خطوط الاشتباك مفتوحة على احتمالات عديدة، والنتيجة المحتملة ليست فقط تدمير بنى عسكرية، بل تحريك موجات نزوح جديدة وتكريس وقائع سكانية قد تصبح لاحقًا أساسًا لترتيبات سياسية مختلفة.
الحديث عن تغييرات حدودية لا يعني بالضرورة إعادة رسم الخرائط رسميًّا، فالحدود في الشرق الأوسط التي وضعت في أعقاب اتفاقيات القرن العشرين، أثبتت أنها قابلة للاهتزاز دون أن تمحى، ما يتغير فعليًّا هو مفهوم السيطرة والنفوذ داخل الحدود القائمة، قد تبقى الدولة باسمها لكن سلطتها الفعلية تتوزع بين قوى محلية وإقليمية، وهنا يكمن جوهر التحول، انتقال المنطقة من نظام دولة وطنية مركزية إلى فسيفساء من الكيانات متداخلة النفوذ.
في هذا السياق تبدو الضربة على إيران إن اتسعت وتدحرجت، كأنها محاولة لإعادة ضبط ميزان القوى، وربما لإجبار طهران على الانكفاء داخل حدودها، لكن التجارب السابقة تشير إلى أن الضغوط الخارجية كثيرًا ما يعزز التماسك الداخلي مؤقتًا، ويدفع الأنظمة إلى التشدد بدل التراجع، وبالتالي فإن الرهان على تغيير سلوك دولة بحجم إيران عبر الضربات العسكرية وحدها يظل رهانًا محفوفًا بالمخاطر.
ثمة بُعد آخر لا يقل أهمية وهو البعد الاقتصادي، أي تصعيد واسع سيؤثر مباشرة على أسواق النفط والغاز وعلى طرق التجارة الدولية، منطقة الخليج ليست فقط مسرحًا سياسيًّا بل شريانًا حيويًّا للاقتصاد العالمي، ومع كل اهتزاز أمني ترتفع كلفة الطاقة وتتضاعف الضغوط على اقتصادات الدول المستوردة، وهكذا يتحول الصراع الإقليمي إلى قضية دولية بامتياز تتشابك فيها المصالح الكبرى.
لكن أخطر ما في المشهد هو احتمالية الانزلاق إلى صراع طويل منخفض الحدة، يستنزف فيه الجميع دون حسم واضح، مثل هذا السيناريو يعني سنوات من عدم الاستقرار وتآكل الدول الهشة واتساع رقعة الفوضى المنظمة، وفي بيئة كهذه تزدهر التنظيمات المتطرفة وتتعزز الهويات الضيقة على حساب مفهوم الدولة الجامعة.
إن الشرق الأوسط الجديد الذي قد يبدأ من إيران لن يولد من فراغ، إنه امتداد لمسار طويل من الصراعات المتراكمة والتدخلات المتبادلة والتحالفات المتغيرة، السؤال ليس ما إذا كانت المنطقة ستتغير، بل كيف ستتغير ولصالح من، هل سيكون التغيير مدخلًا لإعادة بناء نظام إقليمي أكثر توازنًا، أم أنه سيعمق الانقسامات ويكرس منطق القوة بوصفه المرجعية الوحيدة؟
ولذا تبقى الحقيقة الثابتة أن شعوب المنطقة هي التي تدفع الثمن الأكبر، فالخرائط قد ترسم في غرف مغلقة، والقرارات قد تتخذ في عواصم بعيدة، لكن تداعياتها تظهر في مدن مدمرة وقرى مهجرة وأجيال تنشأ في ظل القلق الدائم، وبين حسابات الاستراتيجية الكبرى يبقى الإنسان العادي هو الحلقة الأضعف.
الضربة على إيران إذن، ليست مجرد حدث عسكري عابر، بل إشارة إلى أن الشرق الأوسط يقف على أعتاب مرحلة جديدة، مرحلة قد تعيد تعريف مفاهيم السيادة والحدود والتحالفات، وفي عالم يتغير بسرعة لن يكون السؤال فقط عن من يربح الجولة، بل عن شكل المنطقة بعد أن تهدأ العاصفة إن هدأت.
