الحاضنة الشعبية

فرج عيواز
حديث الحاضنة الشعبية متشعب وشائق، وليس من السهل الإحاطة بكل جوانبه، خاصة في ظل العلاقة الوثيقة بين الجيش والشعب. فالحاضنة الشعبية هي القاعدة الاجتماعية التي تكسب الغطاء والدعم المعنوي والمادي لطرف أو مشروع معين، سواء أكان شخصًا أم كيانًا سياسيًّا أو عسكريًّا أو اجتماعيًّا أو رياضيًّا أو غير ذلك.
وقبل أن نلج في ثنايا هذا الموضوع، علينا أن نذكر أن الحاضنة الشعبية ليست دائمًا إيجابية، فهناك حواضن ترعى الفساد والإرهاب. والذي يعنينا هنا هو الحاضنة الشعبية للجيش، نظرًا إلى أهميتها وتأثيرها القوي والمباشر على المؤسسة العسكرية بشكل خاص، وعلى الأمة بشكل عام.
فكل جيش في العالم ينتمي إلى أمة، ومن شعب هذه الأمة تنبثق وتظهر حاضنته الشعبية في مجموع الجماهير الداعمة والمؤيدة له، والتي يقع على كاهلها مسؤولية تقديم الدعم المادي والمعنوي واللوجستي في مختلف الظروف والأوقات، إما بدوافع عقائدية أو وطنية أو الاثنين معًا. فالحاضنة هي الأمة التي يولد الجيش من رحمها، وينمو ويكبر في حضنها، وبها ولها ينتصر.
ونظرًا إلى حاجة المجتمع إلى الأمن والاستقرار والتنمية، وهذا المثلث المرتبط ارتباطًا وثيقًا بالمؤسسة العسكرية، يعد التفاف الشعب حول الجيش من أقوى الدوافع لنجاحه. والالتفاف الجماهيري نتيجة طبيعية لنجاح المؤسسة العسكرية في أداء أدوارها، ومن أبرز مهامها الحفاظ على الجبهة الداخلية آمنة ومستقرة لتحقيق التنمية الاقتصادية، وهي الغاية الأسمى لأي مجتمع بشري.
ويبقى التحدي الأكبر للمؤسسة العسكرية هو الحفاظ على دعمها الشعبي في مواجهة التهديدات التي تترصدها، ومن أصعب التحديات التي تواجه الجيش قدرته على إقناع الشعب بأهمية وجوده، في ظل الإعلام المضلل، باعتبار أن إعداد القوة ليس خيارًا سياسيًّا فحسب، بل تنفيذًا لقول الله تعالى: (وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة)، وهذا يتطلب روحًا معنوية عالية لمنتسبيها، وانتصارات في جبهات القتال، وأمنًا واستقرارًا داخليًّا، وعقيدة وطنية تجمع الطرفين على هدف واحد وهو حماية الوطن والدفاع عنه. فالعسكري هو مواطن من أبناء هذا الشعب، يذود عن وطنه دفاعًا عن أهله وذويه.
ولتحقيق ذلك، على المؤسسة العسكرية أن تكون مدركة لأهمية دورها في الحفاظ على دعمها الشعبي، وأن تعمل بجد وإخلاص لتحقيقه. ولا يقف الأمر عند هذا الحد، فحاضنة الجيوش مستهدفة دائمًا. فالمرجفون من الخونة والعملاء، أعداء الوطن سواء أكانوا خارجه أم بين صفوف الشعب، يشكلون طابورًا خامسًا يعمل من أجل تقويض كل جهود تحقيق الأمن والاستقرار، ودق إسفين الفرقة بين الجيش والشعب، مستغلين كل الوسائل لنشر الإشاعات والأخبار الكاذبة والمعلومات المضللة.
وأخطر هذه الوسائل فتاوى بعض شيوخ الدين التي تحرض على قتال الجيش وتكفر منتسبيه، وتعد ذلك بابًا من أبواب الجهاد في سبيل الله، بل وتكفر عامة الشعب الذين يتعاطفون معه ويؤيدونه. والدين سلاح ذو حدين، وقد أدرك ذلك الجنرال الفرنسي توماس بيجو عندما كان حاكمًا عامًا للجزائر سنة 1841م، حيث عمل على استصدار فتوى شرعية من بعض شيوخ الدين تحرم قتال الفرنسيين، وكان لهذه الفتوى أثر أخطر من قوة السلاح الفرنسي على المقاومة بقيادة الأمير عبدالقادر، ما اضطره إلى الاستسلام سنة 1847م، إذ لم تكتف بعض القبائل بالانفضاض عنه، بل وجهت سلاحها إليه باعتباره خارجًا عن الشرع الإسلامي.
كما استخدمت إيطاليا سلاح الفتاوى أثناء غزوها لليبيا سنة 1911م، وفي الآونة الأخيرة وظفت التنظيمات المتطرفة الفتاوى الشرعية ضد الجيوش العربية في ليبيا ومصر وسوريا وغيرها، باعتبارهم طواغيت وجب التصدي لهم وقتالهم، بل واعتبرت قتال الفلسطينيين للصهاينة معصية لله.
وفي الختام، الحاضنة الشعبية هي مصدر وجود الجيوش وشرعيتها، وهي مصدر دعمها وقوتها، وعلى المؤسسة العسكرية تقع مسؤولية تحقيق الأمن والاستقرار للدولة بالتعاون مع بقية الأجهزة الأمنية، وبمشاركة شعبية واسعة، لأن الأمن مسؤولية جماعية وهو للجميع وبالجميع.
فالطريق الأمثل لكسب الدعم الشعبي يبدأ بتوعية الشعب بأهمية المؤسسة العسكرية، وأن منتسبيها هم أبناؤهم وفلذات أكبادهم. كما أن توعية وإرشاد منتسبي الجيش بأهمية الحاضنة الشعبية لا يقل أهمية، فهم أبناء هذا الشعب، وعليهم التعامل معه من هذا المنطلق.
ولمواجهة التحديات الخارجية، على المؤسسة العسكرية أن تتصدى لحروب الجيل الرابع، والتي من أخطر أدواتها الإعلام والحرب النفسية، والذكاء الاصطناعي، وتقنية المعلومات، وألا تقف متفرجة تعتمد على ردود الأفعال، فنتائجها تكون متوقعة للعدو مسبقًا.
فالأمم الواعية تكون في حالة من اثنتين لا ثالث لهما: إما حالة استعداد دائم للحرب، أو استعداد لتحقيق أمنها الذاتي معتمدة على قدراتها، فلا أحد يحمي أمن أحد، إنما هي المصالح.
