المنفي بين سرديات التاريخ وشرعية جنيف المشكوك فيها

بقلم: ناصر سعيد
يمكن تقديم قراءة نقدية حادة لمقابلة رئيس المجلس الرئاسي السيد محمد المنفي على منصة «أثير» التابعة لـ قناة الجزيرة، من زاوية نرى فيها أن الخطاب جاء مفعمًا بالإنشاء السياسي ومثقلًا بسرديات التاريخ والعائلة، مقابل غياب إجابات واضحة عن الأسئلة الجوهرية المتعلقة بشرعية المسار الذي أتى به إلى السلطة.
منذ اللحظة الأولى، بدا أن المنفي يسعى إلى إحاطة نفسه بهالة تاريخية، مستدعيًا رمزية العهد الملكي وسرديات الجهاد، ومتحدثًا بإسهاب عن جذوره العائلية وصلاته بالسنوسية، وكأن الشرعية تُستمد من الماضي العائلي لا من آليات التمثيل الشعبي المباشر، هذا التركيز على البعد التاريخي والشخصي بدا محاولة لتعويض هشاشة سياسية رافقت ولادة السلطة التنفيذية التي انبثقت عن ملتقى الحوار السياسي في جنيف عام 2021، الذي رعته بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا بدعم من مركز الحوار الإنساني، فيما عُرف بلجنة الـ75.
المفارقة أن المنفي يتحدث مطولًا عن الشفافية والحوكمة ومحاربة الفساد، في حين أن المسار الذي أفضى إلى انتخاب قائمة (الدبيبة – المنفي) ظل محاطًا باتهامات خطيرة بشراء الأصوات وتقديم وعود بالمناصب، ففوز القائمة بـ 39 صوتًا داخل لجنة محدودة العضوية، لا تمثل الشعب الليبي تمثيلًا انتخابيًّا مباشرًا، بقي محل تشكيك واسع، خاصة مع تقارير تحدثت عن شبهات رشاوى مالية ووعود بوزارات.
ورغم خطورة هذه الاتهامات على شرعية المنظومة برمتها، لم تحمل المقابلة أي مراجعة نقدية لتلك المرحلة، بل جرى التعامل معها كأمر واقع مكتمل الشرعية.
كما أن حديث المنفي عن استقلال القضاء وتعزيز المؤسسات بدا منفصلًا عن الواقع المنقسم الذي تعيشه البلاد، فالإشارة إلى وحدة المنظومة القضائية وتماسك المؤسسات لا تنسجم مع استمرار الانقسام السياسي والتجاذبات حول الصلاحيات والمراسيم، ولا مع الجدل المتكرر حول حدود صلاحيات المجلس الرئاسي نفسه.
وفي الوقت الذي يؤكد فيه أنه يقف على مسافة واحدة من جميع الأطراف، فإن ممارسات إصدار المراسيم وتوسيع التأويلات الدستورية توحي بسعي إلى تكريس نفوذ سياسي يتجاوز الدور التوافقي المفترض للمجلس.
اقتصاديًّا، تحدث المنفي عن أرقام إنتاج النفط وضرورة الوصول إلى ثلاثة ملايين برميل يوميًّا، وعن الشفافية في تحويل العائدات إلى المصرف المركزي، غير أن الخطاب خلا من خطة تنفيذية واضحة أو جدول زمني ملزم، واكتفى بإعادة تكرار مفاهيم عامة عن الحوكمة ومحاربة الفساد، وهي مفردات باتت مألوفة في الخطاب الرسمي دون أن تنعكس بالضرورة على تحسن ملموس في حياة المواطن.
وفي ملف المصالحة، أعلن أن العملية وصلت إلى نسبة 99%، وهي نسبة تثير الاستغراب في ظل استمرار الانقسامات العميقة وغياب توافق شامل على القاعدة الدستورية للانتخابات، هذا التوصيف المتفائل إلى حد المبالغة يعكس فجوة بين الخطاب والواقع، ويعزز الانطباع بأن المقابلة كانت أقرب إلى حملة ترويج سياسي منها إلى مصارحة وطنية.
اللافت أيضًا أن المنفي شدد على أن المجلس الرئاسي يمثل ليبيا كلها، وأنه لا يسمح بوجود وسطاء بين الدولة والشركات الكبرى، لكنه لم يتطرق بوضوح إلى مسألة المساءلة السياسية عن المرحلة الانتقالية الممتدة، ولا إلى سؤال المدة الزمنية المفتوحة للمؤسسات المنبثقة عن اتفاق جنيف، والتي كان يفترض أن تقود البلاد إلى انتخابات في أقرب الآجال، فإذا بها تتحول إلى واقع سياسي طويل الأمد.
في المحصلة، بدت المقابلة محاولة لإعادة صياغة الصورة العامة لرئيس المجلس الرئاسي عبر استحضار التاريخ، وتكثيف الحديث عن الشفافية، وتقديم نفسه كحامٍ للسيادة الوطنية، غير أن القراءة السلبية ترى أن جوهر الأزمة لم يُمس: شرعية مسار جنيف، وشبهات الفساد التي رافقته، واستمرار إدارة المرحلة الانتقالية بلا تفويض انتخابي مباشر، وبين خطاب مطمئن وواقع مأزوم، تبقى الأسئلة الكبرى معلقة بانتظار إجابات تتجاوز البلاغة السياسية إلى الفعل والمساءلة.
