راتب بلا عمل.. وضمير غائب

سعاد علي الجروشي
لم يعد غلاء المعيشة مجرد ارتفاعٍ في الأسعار، بل أصبح امتحانًا قاسيًا لقدرة الإنسان على الاستمرار. كل شيء يرتفع.. أسعار الغذاء، الدواء، المواصلات، الإيجارات، والاحتياجات اليومية، بينما يبقى دخل فئات كثيرة محدودًا. لا يواكب هذا الغلاء ولا يمنح أصحابها حياةً كريمة. وفي خضم هذا الواقع، يبرز سؤالٌ موجع: أين العدالة؟
في بلادنا، هناك من يعيش على معاش ضمان، وهو أقل دخل ويحسب حساب كل دينار قبل أن ينفقه. وهناك من يتقاضى راتبًا متوسطًا، وهناك من يحصل على راتب مرتفع، إضافة إلى امتيازات ومصادر دخل أخرى. لكن الأكثر إيلامًا أن نجد من يتقاضى راتبًا شهريًّا من المال العام، دون أن يؤدي العمل الذي يُصرف هذا الراتب مقابله. ملف يُقدَّم.. واسم يُدرج.. وراتب يبدأ بالنزول كل شهر.. أما مقر العمل، فقد لا يعرف صاحبه الطريق إليه! أيُعقل أن يصبح العمل مجرد ورقة، والراتب مجرد تحويل مصرفي؟ ومن أين يأتي المال الذي يُصرف؟ إنه من المال العام، من أموال الدولة، أي من موارد يفترض أن تُدار لمصلحة المجتمع، لا أن تتحول إلى مكاسب لمن لا يؤدي واجبه.
المؤلم أن من يتغيب عن العمل ويقبض راتبه دون استحقاق، لا يأخذ مالًا بلا وجه حق فحسب؛ بل يساهم أيضًا في تكريس الظلم بحق من يعمل فعلًا، وبحق من ينتظر فرصة عمل، وبحق أصحاب المعاشات المحدودة الذين يكافحون لتوفير أبسط احتياجاتهم. فأين ضمير من يقبض راتبًا وهو يعلم أنه لا يستحقه؟ وهل يكفي أن يقول: الجميع يفعل ذلك؟ لا. خطأ الآخرين لا يحوّل الخطأ إلى حق، وانتشار التجاوز لا يجعله حلالًا ولا مشروعًا. وفي المقابل، هناك موظف يستيقظ كل صباح، يذهب إلى عمله، يؤدي واجبه، يتحمل المسؤولية، ويعود إلى بيته في نهاية اليوم، ثم يجد راتبه قد تبخر أمام أسعار لا ترحم. وهناك من أفنى سنوات عمره في خدمة الدولة والمجتمع، ثم أصبح يعتمد على معاش محدود لا يكاد يغطي احتياجاته الأساسية. أي ميزان هذا؟ نحن لا نحسد أحدًا على رزقه، ولا نطالب بحرمان إنسان من حقه، ولا نقول إن كل من يتقاضى راتبًا دون حضور هو بالضرورة متلاعب؛ فهناك أوضاع قانونية ووظيفية مختلفة، وقد توجد إجازات أو تكليفات أو ظروف تبرر الغياب. لكننا نتحدث عن حالة واضحة: شخص لا يعمل فعلًا، ولا يؤدي وظيفة حقيقية، ومع ذلك يستمر في تقاضي راتب من المال العام دون استحقاق. هذه ليست مسألة بسيطة. إنها مسألة أمانة. فالوظيفة مسؤولية، والراتب أجر، والمال العام أمانة. وإذا غابت الرقابة، فلا ينبغي أن يغيب الضمير.
نحن بحاجة إلى مراجعة حقيقية لمنظومة المرتبات، وإلى قواعد واضحة تضمن أن يصل المال إلى مستحقه، وأن يُربط الأجر بالعمل والاستحقاق، وأن تُحمى حقوق أصحاب المعاشات المحدودة، وأن تُغلق أبواب المحسوبية والتسيّب. فالعدالة ليست أن يأخذ الجميع الشيء نفسه، وإنما أن يأخذ كل ذي حق حقه. ولا يمكن أن نطلب من المواطن أن يتحمل الغلاء، ونطالبه بالصبر، ثم نترك أبواب المال العام مفتوحة أمام من يحصل على راتب دون عمل.
إذا كان الوطن للجميع، فالمال العام أمانة على الجميع. ومن المؤسف أن يصبح بعض الناس حريصين على موعد نزول الراتب، بينما لا يكونون حريصين على موعد حضورهم إلى العمل. فليُجب كل إنسان نفسه بصدق: هل راتبي مقابل عمل أؤديه؟ هل أستحق المال الذي أتقاضاه؟ ولو كان المال من جيبي أنا، هل كنت سأدفعه لمن لا يعمل؟ ربما لا تحتاج هذه الأسئلة إلى لجان تحقيق بقدر ما تحتاج إلى شيء أبسط وأصعب في الوقت نفسه: ضمير. فالبلاد لا تنهض بكثرة كشوف المرتبات، وإنما تنهض حين يصبح العمل أمانة، والراتب استحقاقًا، والمال العام خطًّا أحمر، والعدالة حقًّا لا شعارًا.
