خطابات الأمم المتحدة في دورتها الـ 81.. “كلٌّ يغني على ليلاه”

تقرير – سيد العبيدي
مع انطلاق أعمال الدورة الـ81 للجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، بدا المشهد الدولي وكأنه يختصر أزمة النظام العالمي في قاعة واحدة؛ عشرات القادة يتحدثون من المنصة نفسها، لكن كل واحد منهم يحمل أجندته الوطنية وحساباته الإقليمية والدولية، حتى تحولت الخطب في جانب كبير منها إلى منابر سياسية لعرض المواقف، وتبادل الاتهامات، واستعراض القوة، أكثر من كونها مساحة لصناعة توافق دولي قادر على التعامل مع الأزمات المتصاعدة.
وبينما يفترض أن تكون الجمعية العامة ساحة للاستماع إلى مختلف وجهات النظر والبحث عن حلول للأزمات العالمية، كشفت خطابات هذا الدورة عن اتساع الفجوة بين فكرة الأمم المتحدة باعتبارها مؤسسة جامعة للدول، وبين واقع النظام الدولي الذي لا تزال تتحكم فيه موازين القوة والنفوذ وتهيمن عليه الدول الكبرى من خلال استخدام ما يعرف بحق النقض “الفيتو”.
خطاب ترامب من المنصة الدولية إلى الداخل
ولعل من أكثر الخطابات إثارة للجدل في هذه الدورة، هو خطاب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، إذ ركز بصورة واسعة على السياسات والمصالح الأمريكية، واستعرض ما تعتبره إدارته إنجازات في السياسة الخارجية، إلى جانب توجيه تهديدات مباشرة لإيران والتأكيد على التفوق العسكري الأمريكي.
تحدث ترامب خلال خطابه عن قدرة الولايات المتحدة على استخدام “قوتها العسكرية غير المتطابقة” لحماية مصالحها، كما هاجم مؤسسات دولية، بينها المحكمة الجنائية الدولية، وانتقد الأمم المتحدة وسياسات ما وصفه بأجندة “العولمة”.
ومن زاوية سياسية، بدا الخطاب أقرب في أجزاء منه إلى خطاب موجه إلى الجمهور الأمريكي وقاعدة ترامب السياسية، وليس إلى رؤساء الدول والحكومات باعتبارهم شركاء في مؤسسة يفترض أن تقوم على المساواة بين الدول.
لولا وسانشيز.. رسائل مختلفة من المنصة نفسها
في المقابل، حمل خطاب الرئيس البرازيلي لويس إيناسيو لولا دا سيلفا تركيزًا واضحًا على السيادة الوطنية ورفض التدخل الخارجي، محذرًا من التدخل في الانتخابات البرازيلية المقبلة، ومؤكدًا رفض بلاده أن تتحول إلى ساحة نفوذ لقوى خارجية. كما تناول قضية الجريمة المنظمة، داعيًا إلى التعاون الدولي بدلًا من التدخل العسكري الخارجي.
أما رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز، فاختار أن يجعل من خطابه دفاعًا عن التعددية الدولية وإصلاح الأمم المتحدة، مؤكدًا أن المنظمة تحتاج إلى التجديد والتقوية، داعيًا بصورة صريحة إلى إصلاح مجلس الأمن وإنهاء حق النقض للدول الخمس دائمة العضوية، معتبرًا أن استمرار احتكار القرار من جانب مجموعة محدودة من الدول يتعارض مع فكرة المساواة الدولية.
خطاب إيراني حاد مع إبقاء باب الدبلوماسية
إلى ذلك، جاء خطاب الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان أكثر حدة في مواجهة الولايات المتحدة، خصوصًا بعد تهديدات ترامب السابقة لإيران، إذ رفض الرواية الأمريكية بشأن بلاده، وانتقد ما وصفه بالمعايير المزدوجة في النظام الدولي.
لكن الخطاب الإيراني، رغم حدته، لم يغلق باب الدبلوماسية بصورة كاملة، إذ أبقى على مساحة للتفاوض باعتباره طريقًا لإنهاء الحرب، في وقت حاولت فيه طهران عرض موقفها باعتبارها الطرف الذي يواجه ضغوطًا عسكرية وسياسية أمريكية وصهيونية.
أردوغان.. “العالم أكبر من خمسة”
أما الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، فقد وضع إصلاح الأمم المتحدة ومجلس الأمن في قلب خطابه، معتبرًا أن النظام الذي يجعل إرادة أكثر من 190 دولة خاضعة لإرادة خمس دول فقط لا يمكن أن يكون نظامًا عادلًا أو قادرًا على بناء الثقة.
وأعاد أردوغان طرح عبارته المعروفة: “العالم أكبر من خمسة”، في إشارة إلى الدول الخمس دائمة العضوية في مجلس الأمن، داعيًا إلى إصلاح بنية المنظمة الدولية وتعزيز تمثيل الدول والمناطق المختلفة. وهنا تتقاطع رؤية أردوغان مع جزء أساسي من النقاش الذي فرض نفسه على اجتماعات الجمعية العامة، فكيف يمكن لمنظمة تضم 193 دولة أن تظل قراراتها المتعلقة بأخطر قضايا الحرب والسلم رهينة نظام يمنح خمس دول حق النقض؟
الخطابات العربية.. حضور باهت
في المقابل، بدت الخطابات العربية في جانب منها أقل تأثيرًا مقارنة بالخطابات التي طرحت بصورة مباشرة أزمة النظام الدولي وإصلاح الأمم المتحدة، رغم أن المنطقة العربية هي واحدة من أكثر مناطق العالم تأثرًا بالحروب والأزمات.
فالقضية الفلسطينية والحرب في غزة والحرب الصهيونية – الإيرانية والأزمات في السودان واليمن وليبيا وسوريا، كلها ملفات كان يفترض أن تدفع الدول العربية إلى تقديم رؤية جماعية أكثر وضوحًا حول مستقبل النظام الدولي وآليات إنهاء الحروب.
ولا يتعلق الأمر فقط بمضمون الخطاب، وإنما بقدرة الدول العربية على الانتقال من مرحلة إدانة الأحداث إلى طرح مبادرات عملية لإصلاح آليات اتخاذ القرار الدولي.
تأشيرة الدخول إلى مقر الأمم المتحدة
إلى ذلك لم تتوقف أزمة الأمم المتحدة عند مضمون الخطب، بل وصلت إلى سؤال أكثر خطورة يتعلق بمن يستطيع أصلًا الوصول إلى مقر الأمم المتحدة، فالولايات المتحدة، باعتبارها الدولة المضيفة لمقر المنظمة في نيويورك، واجهت خلال السنوات الأخيرة انتقادات داخل المنظمة بسبب قضايا التأشيرات وقيود السفر المفروضة على ممثلي بعض الدول.
وفي الدورة الحالية، رفضت واشنطن منح تأشيرات للرئيس الفلسطيني محمود عباس أبو مازن وعدد من أعضاء الوفد الفلسطيني إضافة إلى رئيس مجلس السيادة السوداني عبدالفتاح البرهان، ما أدى إلى إلقاء عباس كلمته عبر تسجيل مصور بدلًا من الحضور شخصيًا إلى قاعة الجمعية العامة.
كما تحدثت الأمم المتحدة نفسها في تقرير لجنة العلاقات مع الدولة المضيفة عن حالات عدم إصدار أو تأخير أو سحب تأشيرات الدخول، وعن مخاوف من تأثير بعض القيود على مشاركة ممثلي الدول في أعمال المنظمة.
وفي الوقت نفسه، سمحت واشنطن للرئيس الإيراني مسعود بزشكيان ووزير خارجيته عباس عراقجي بالمشاركة في اجتماعات الجمعية العامة، في إطار ما قالت وزارة الخارجية الأمريكية إنه التزام الولايات المتحدة بواجباتها باعتبارها الدولة المضيفة!! وهنا تطرح الأزمة سؤالًا يتجاوز حالة بعينها، هل يمكن أن تكون هناك منظمة دولية يفترض أنها ملك لجميع الدول، بينما يظل الوصول الفعلي إلى مقرها خاضعًا لقرار الدولة التي تستضيف المقر؟
نيويورك.. هل ما زال المكان محايدًا؟
هذا وتعيد الوقائع سالفة الذكر فتح نقاش قديم حول مقر الأمم المتحدة، فالمقر الحالي في نيويورك ارتبط تاريخيًّا بفكرة إنشاء مركز عالمي للدبلوماسية، لكن تطورات السنوات الأخيرة أعادت طرح مسألة ما إذا كان وجود المنظمة على أراضي إحدى القوى الكبرى يتعارض عمليًّا مع متطلبات الحياد وسهولة وصول جميع الدول إليها.
ومن هنا يمكن طرح فكرة نقل مقر الأمم المتحدة إلى موقع أكثر حيادًا، لا تكون فيه الدولة المضيفة قادرة على التأثير في وصول وفود الدول إلى الاجتماعات.
وقد يكون المقصود ليس فقط البحث عن دولة “محايدة” بالمعنى السياسي، وإنما اختيار موقع تتوافر فيه ضمانات قانونية دولية ملزمة، بحيث يكون وصول الوفود إلى مقر المنظمة حقًّا أصيلًا لا يخضع لتقديرات الدولة المضيفة.
الإصلاح يبدأ من مجلس الأمن
نحو ذلك، فالمشكلة في منظمة الأمم المتحدة لا تتعلق فقط بالمقر وحده؛ فجوهر الأزمة يبقى في هيكل اتخاذ القرار (مجلس الأمن) ففي صورته الحالية، يمنح الولايات المتحدة وروسيا والصين وفرنسا وبريطانيا حق النقض، وهو ما يسمح لأي دولة من الدول الخمس بوقف قرارات المجلس، حتى عندما تحظى بتأييد غالبية أعضائه.
ولهذا تبدو الدعوات إلى إصلاح مجلس الأمن واحدة من أبرز القضايا التي تتكرر في خطابات القادة، بينما تعكس الأزمة المتكررة في ملفات غزة وأوكرانيا وإيران والسودان وغيرها حجم الفجوة بين موازين القوة الحالية وبنية المنظمة التي تأسست قبل 81 عامًا.
ومن بين الأفكار المطروحة للنقاش الدولي، إعادة النظر في الصلاحيات الاستثنائية لمجلس الأمن، وتعزيز دور الجمعية العامة باعتبارها الهيئة التي تضم جميع الدول الأعضاء، بحيث لا تظل القضايا الكبرى المتعلقة بالسلم والأمن الدوليين محصورة عمليًّا في دائرة الدول الخمس دائمة العضوية.
ولا يعني ذلك بالضرورة إلغاء مجلس الأمن فورًا، وإنما يمكن أن يبدأ الإصلاح بإعادة توزيع مراكز القوة داخل النظام الأممي، وتوسيع صلاحيات الجمعية العامة، ووضع آليات تحول دون تعطيل إرادة الأغلبية الدولية في القضايا المصيرية.
