الأمن المفقود

منيرة محمد
في المجتمعات المستقرة، يُعدُّ الأمن حالةً بديهية لا يُفكَّر فيها إلا عند غيابها. أما في ليبيا، فقد تحوَّل الحديث عن الأمان إلى شأنٍ يومي، يتكرر في المجالس، وعلى صفحات التواصل، وفي همسات الأمهات حين يتأخر الأبناء خارج المنزل. فحوادث الاغتيالات والخطف لم تعد أخبارًا عابرة في شريط العاجل، بل أصبحت جزءًا من مشهدٍ يثقل الوعي العام ويؤثر في تفاصيل الحياة.
ليست المشكلة في عدد الحوادث فحسب، بل في أثرها المتراكم. فكل عملية اغتيال لا تستهدف شخصًا بعينه فقط، بل تضرب شعورًا عامًّا بالطمأنينة. وكل حادثة خطف لا تُربك أسرة واحدة فحسب، بل تزرع الخوف في محيطٍ أوسع، وتعيد طرح السؤال المؤلم: من التالي؟
الاغتيال، في جوهره، رسالة عنف تتجاوز الضحية. إنه إعلان بأن الخلاف يُحسم بالرصاص لا بالقانون، وبأن الصراع يُدار خارج مؤسسات الدولة. أما الخطف، فهو جريمة مزدوجة؛ اعتداء على الحرية الفردية، وابتزاز نفسي ومادي للأسرة والمجتمع. وفي الحالتين، يكون الثمن الأكبر هو الثقة: ثقة المواطن في قدرة الدولة على الحماية، وثقة المجتمع في استقرار يومه وغده.
“حين تصبح حوادث الاغتيالات وخطف الأبرياء مشهدًا مألوفًا في مفاصل الحياة اليومية، لا يتغيَّر فقط غياب الأمن، بل يتراجع الإحساس بالثقة والأمان في المجتمع. إن خسارة كل حياة تُزهق بهذا الشكل ليست رقمًا في إحصائية، بل جرحٌ عميقٌ في نسيج الأسرة والمجتمع”.
هذا الاقتباس لا يبالغ في تصوير الواقع، بل يختصر إحساسًا عامًّا يتكرر في الشارع الليبي. فالأمن ليس شعارًا سياسيًّا، بل شرطًا أساسيًّا للحياة الطبيعية: للذهاب إلى العمل دون قلق، ولإرسال الأطفال إلى مدارسهم دون خوف، وللتعبير عن الرأي دون خشية من الاستهداف.
تاريخ السنوات الماضية يكشف أن حوادث الاغتيال والخطف غالبًا ما ترتبط بحالة الانقسام السياسي، وضعف مؤسسات إنفاذ القانون، وانتشار السلاح خارج إطار الدولة. فعندما تتعدد مراكز القوة، وتغيب المرجعية الأمنية الموحدة، يصبح المجال مفتوحًا لتصفية الحسابات، سواء بدوافع سياسية أم جنائية أم شخصية.
لكن اختزال الظاهرة في بعدها الأمني فقط لا يكفي. فهناك بُعد اجتماعي ونفسي لا يقل خطورة. فالمجتمع الذي يعيش تحت تهديد دائم يتغيَّر سلوكه: تقلُّ المشاركة العامة، يتراجع الحضور في الفضاء العام، ويزداد الميل إلى الانعزال. الخوف لا يُرى دائمًا في العناوين، لكنه يتسلل إلى تفاصيل الحياة: في اختيار الطرق، وفي مواعيد الخروج، وحتى في طبيعة العلاقات.
كما أن لهذه الحوادث أثرًا اقتصاديًّا مباشرًا؛ فالمستثمر لا يغامر في بيئة غير مستقرة، والكوادر قد تفكر في الهجرة بحثًا عن بيئة أكثر أمانًا، والمؤسسات تتردد في التوسع. وهكذا يصبح العنف عائقًا للتنمية، ليس لأنه يدمِّر البنية التحتية فحسب، بل لأنه يهزُّ الثقة في المستقبل.
ومع ذلك، فإن معالجة الظاهرة لا تكون بإثارة الذعر أو بتضخيم الخطاب، بل بإعادة بناء منظومة أمنية قائمة على القانون والمساءلة. المطلوب ليس فقط القبض على الجناة، بل ترسيخ مبدأ أن لا أحد فوق القانون، وأن العدالة لا تُدار بردود الفعل، بل بسياسات واضحة ومستدامة.
الدور هنا لا يقتصر على الأجهزة الأمنية. فالمجتمع المدني، ووسائل الإعلام، والقيادات المحلية، جميعها معنية بتعزيز ثقافة نبذ العنف، ورفض تبريره تحت أي مسمى. كما أن الخطاب السياسي مسؤول عن تهدئة المناخ، لا عن تأجيجه، لأن التحريض اللفظي قد يتحول في بيئة هشة إلى فعلٍ مادي.
في المقابل، لا يمكن تجاهل أن هناك جهودًا تُبذل لتحسين الوضع الأمني في عدد من المدن، وأن الاستقرار النسبي الذي تشهده بعض المناطق يؤكد أن التغيير ممكن. غير أن التحدي الحقيقي هو تعميم هذا الاستقرار، وتحويله من حالة مؤقتة إلى قاعدة دائمة.
الليبيون، في جوهرهم، يتطلعون إلى دولة تحميهم، لا إلى صراعات تستنزفهم. يريدون مؤسسات قادرة على ضبط السلاح، وقضاءً فاعلًا، وأجهزة أمنية تعمل بمعايير مهنية واضحة. فالأمن ليس ترفًا سياسيًّا، بل حقًّا أساسيًّا من حقوق الإنسان.
إن تكرار حوادث الاغتيال والخطف يجب أن يكون دافعًا لمراجعة شاملة، لا مجرد خبرٍ جديد في دورة الأخبار. فكل حادثة هي إنذار بأن هناك خللًا ينبغي معالجته من جذوره. والسكوت أو الاعتياد أخطر من الحادثة نفسها، لأن الاعتياد يعني قبول ما لا ينبغي قبوله.
في النهاية، لا يُقاس استقرار الدول بعدد التصريحات، بل بقدرة المواطن على أن يعيش يومه دون خوف. وإذا كان بناء الدولة عملية طويلة ومعقدة، فإن أول لبناتها هو الأمان. فحين يشعر الناس أن القانون يحميهم، وأن العدالة تطال المعتدي أيًّا كان، يعود الإحساس الطبيعي بالحياة.
ليبيا لا تحتاج فقط إلى إنهاء حوادث الاغتيال والخطف، بل إلى استعادة الثقة التي تآكلت بفعلها. والثقة لا تُستعاد بين ليلة وضحاها، لكنها تبدأ بخطوة واضحة: أن تكون حياة الإنسان فوق كل اعتبار، وأن يكون الأمن مسؤولية جماعية تُدار بحكمة وعدل.
فالأوطان لا تُبنى بالخوف.. بل بالأمان
