بين السياسة والثورة.. اختلاف الوسائل ووحدة الهدف

بقلم: المهدي الفهري
كثيرًا ما يختلط الفهم في أذهاننا حين نحاول التفريق بين السياسة والثورة، فننزلق دون وعي كافٍ إلى إصدار أحكام قاسية على المشتغلين بالعمل السياسي فنصفهم بالتخاذل أو التراجع، بل وربما بالردة الفكرية، بيد أن هذا التصنيف المتعجِّل لا يعكس بالضرورة حقيقة الدور الذي تؤديه السياسة، ولا يُنصف طبيعة العلاقة المركَّبة بينها وبين الفعل الثوري، فما لا يُنتزع بالقوة قد يُنال بالحكمة، والحكمة هنا ليست ضعفًا، بل هي الدبلوماسية بمعناها العميق، وتعريفها الدقيق بفنِّ إدارة التناقضات وعلم توظيف الممكن لتحقيق ما يبدو مستحيلًا، فالسياسة في جوهرها عمل تراكمي عقلاني يُدار عبر مؤسسات متعددة ومختلفة، ويعتمد النفس الطويل، ويؤمن بأن بناء التحولات الكبرى قد يبدأ بخطوات صغيرة ومحسوبة بدقة.
أما الثورة فهي لحظة الانفجار التاريخي، لحظة التمرُّد على واقعٍ مأزوم والتوق إلى قطيعة جذرية مع منظومة قائمة، وغالبًا ما تأتي فجائية وصاخبة، وقد تكون عنيفة لأنها تسعى إلى تقويض بنية السلطة الحاكمة وإعادة تشكيل المجتمع وفق منظومة قيم وعلاقات جديدة، ورغم هذا التباين الظاهر فإن السياسة والثورة ليستا نقيضين مطلقين، بل مساران يتقاطعان عند غاية واحدة، وهي إحداث التغيير والاختلاف بينهما، ليس في الهدف، بل في التوقيت والأدوات وكلفة الطريق، وفي حين تتشبث الثورة بالمبادئ في ذروة اشتعالها وتتمسك بالسيادة والكرامة وقيم العدالة وترفض المساومة على الثوابت تنشغل السياسة بإدارة المصالح والبحث عن فضاءات ومساحات للالتقاء وتغليب الممكن حين يتعذر المثالي، وهنا ينشأ الجدل الدائم.
هل التفاوض تنازل، أم تكتيك مشروع؟
التاريخ يجيبنا بهدوء، فالثائر الجنوب أفريقي نيلسون مانديلا أمضى سنواتٍ طويلة في السجن متمسكًا بمبادئه، لكنه حين سنحت له الفرصة ولحظة التحول دخل في مفاوضات مع خصومه السياسيين وحسم الرهان لصالح تفكيك نظام الفصل العنصري عبر المسار التفاوضي دون أن يُنظر إليه كمتراجع عن قضيته، بل كقائد جمع بين صلابة الثورة وحكمة السياسة.
وفي التجربة الآسيوية قاد المهاتما غاندي نضالًا ثوريًّا ضد الاستعمار البريطاني، لكنه اتخذ من التفاوض والعصيان المدني السلمي أدواتٍ مكمّلة للفعل الثوري، فحقق استقلال بلاده دون حرب شاملة، مثبتًا أن مرونة الوسيلة لا تعني هشاشة المبدأ.
وحتى في تاريخنا العربي الحديث خاض الزعيم المصري سعد زغلول ثورة شعبية عارمة سنة 1919م ضد الوجود البريطاني، ثم انتقل إلى طاولة التفاوض محققًا عبر المسارين معًا مكاسب سياسية لم يكن ليحققها منفردة، وتحول إلى رمز للنضال ضد الاحتلال الأجنبي، وكذلك فعل الأمير عبدالقادر الجزائري من قبله إبان الاحتلال الفرنسي.
هذه النماذج وغيرها تكشف أن الانخراط في العمل السياسي أو الانفتاح على الحوار أو حتى تقديم تنازلات مرحلية لا يعني بالضرورة نكوصًا أو انحرافًا عن المبادئ، بل قد يكون توظيفًا ذكيًّا للأدوات الأقل كلفة والأكثر قدرة على تثبيت المكاسب، فالسياسة بخلاف ما يُشاع ليست فن التنازل، بل فن إدارة التوازنات، وهي المساحة التي تُسد فيها الفجوات وتُطمر من خلالها الحفرات وتُصاغ فيها الحلول الوسط وتُمنع عبرها الصدامات المكلفة، ولعلَّ أعظم ما يميِّزها هو مرونتها، تلك المرونة التي تتيح تحقيق أهدافٍ كبرى دون أن تُستنزف الشعوب في معارك دائمة، ومن هنا فإن العلاقة بينهما ليست علاقة خصومة بل علاقة تكامل وترابط وتلاحم وعلى تخوم الثورة تولد السياسة.
