التيه العربي

محمد علوش
يقبع الواقع العربي في أزمة بنيوية عميقة، تتجاوز حدود السياسة اليومية وتقلبات الظرف، لتلامس جوهر الدولة والمجتمع، بل ومعنى الوجود السياسي ذاته.
إنها أزمة غياب المشروع النهضوي الديمقراطي القادر على تحويل طاقات الشعوب من قوة كامنة إلى فعل تاريخي خلاق، وعلى نقل المجتمعات من موقع التلقي والانفعال إلى أفق المبادرة وصناعة المصير، وهذا الغياب لم ينتج فراغًا فحسب، بل أفسح المجال لتكريس أنماط الاستبداد، وتعميق علاقات التبعية، وتفكيك البنى الاجتماعية على أسس ضيقة تتناقض جوهريًّا مع قيم التقدم والعدالة والكرامة الإنسانية.
لم تعد الدولة في العديد من الأقطار العربية تجسيدًا للإرادة العامة أو أداة لخدمة الصالح العام، بل غدت في كثير من الحالات بنية مغلقة تحتكر السلطة والثروة، وتقصي المجتمع عن المشاركة في صنع القرار، ومع تآكل الحياة السياسية وتهميش المؤسسات التمثيلية، جرى تفريغ الديمقراطية من مضمونها، أو تصويرها بوصفها تهديدًا للاستقرار، في مفارقة فادحة تثبت أن غيابها هو ما قاد إلى الانفجارات الاجتماعية وحالات الفوضى والانسداد، فالدولة التي لا تقوم على أسس المواطنة والمساءلة وسيادة القانون، تصبح عاجزة عن صون وحدة المجتمع وحمايته، وتفقد تدريجيًّا مشروعيتها الأخلاقية والسياسية.
وفي هذا الإطار، أخفقت النخب الحاكمة، كما قوى المعارضة التقليدية، في بلورة رؤية نهضوية جامعة، فإما جرى الارتهان لخطابات أيديولوجية منغلقة لا ترى في الديمقراطية سوى أداة ظرفية، أو الاكتفاء بإدارة الأزمات دون الاقتراب من جذورها البنيوية، وهكذا غاب المشروع الذي يوحِّد بين التحرر الوطني والتحرر الاجتماعي، ويجعل من الاستقلال السياسي توأمًا للعدالة الاقتصادية، ومن الديمقراطية شرطًا للتنمية المستدامة.
ومع هذا الغياب، تمددت مشاريع التفتيت الطائفي والعرقي، واستدعيت الهويات الفرعية بوصفها بديلًا عن الهوية الوطنية الجامعة، في عملية منهجية لإضعاف المجتمعات وإغراقها في صراعات داخلية تستنزف طاقاتها.
أما على الصعيد الاقتصادي، فقد أسهم تكريس النموذج الريعي والتبعي في تعميق اختلالات خطيرة، تمثلت في تركز الثروة بأيدي قلة، واتساع دوائر الفقر والبطالة، وتراجع قيمة العمل المنتج، ولم يكن هذا الواقع منفصلًا عن غياب الديمقراطية، بل نتاجًا مباشرًا له، إذ يستحيل الحديث عن تنمية حقيقية في ظل غياب الرقابة الشعبية، والعدالة الاجتماعية، وتكافؤ الفرص، فالاقتصاد التقدمي ليس مجرد مؤشرات نمو رقمية، بل خيار سياسي واجتماعي ينحاز إلى الإنسان وكرامته، ويجعل العمل والحقوق الاجتماعية أساسًا للاستقرار والتماسك المجتمعي.
وتبقى القضية الفلسطينية التعبير الأوضح والأكثر فجاجة عن أزمة الواقع العربي، فالتراجع عن مركزيتها لم يكن إلا انعكاسًا لانهيار الإرادة العربية المشتركة، وغياب مشروع تحرري ديمقراطي يرى في فلسطين قضية عدالة وحرية إنسانية، لا ورقة تفاوضية أو عبئًا سياسيًّا، وإن دعم نضال الشعب الفلسطيني لا ينفصل عن النضال من أجل الديمقراطية في العالم العربي، إذ إن الاستبداد والتطبيع وجهان لعملة واحدة، يقومان معًا على إقصاء الشعوب ومصادرة حقها في تقرير مصيرها.
إن الخروج من هذا التيه العربي يمر حتمًا عبر استعادة الاعتبار للفعل الديمقراطي التقدمي، بوصفه جوهر أي مشروع نهضوي معاصر، وديمقراطية لا تختزل في آليات انتخابية شكلية، بل تتأسس على المشاركة الشعبية الواسعة، والعدالة الاجتماعية، وحرية التنظيم، والدور الفاعل للحركات العمالية والشبابية والنسوية، باعتبارها قوى تغيير تاريخية قادرة على إعادة بناء المجال العام، فالمشروع النهضوي ليس قرارًا فوقيًّا يفرض من أعلى، بل مسار نضالي طويل تشارك في صياغته الشعوب، دفاعًا عن كرامتها وحقها في مستقبل حر وعادل.
إن الأزمة العربية ليست قدرًا محتومًا، بل حصيلة خيارات وسياسات قابلة للتجاوز، متى توفرت إرادة سياسية واعية ورؤية تقدمية تضع الإنسان في قلب مشروعها، ومن دون مشروع نهضوي ديمقراطي جامع، سيبقى الواقع العربي أسير حلقة مفرغة من الأزمات، أما استعادته، فتعني فتح أفق جديد للأمل والتحرر والتقدم.
