مقالات الرأي

القوة القاهرة.. والدم المهدور


بقلم / عفاف الفرجاني


لم تكن ليبيا بعد عام 2011 ساحة انتقال سياسي بقدر ما كانت مختبرًا مفتوحًا لتجريب الفوضى. دولة معلقة بين وعود الديمقراطية وواقع السلاح، وبين سيادة معلنة وقرار مرتهن. وفي خضم هذا المشهد المتشظِّي، جاءت محاولة الانتخابات الرئاسية أواخر 2021 وبدايات 2022 بوصفها لحظة مفصلية، ليس لأنها كانت ناضجة، بل لأنها كشفت حجم الخوف من إرادة الليبيين إذا ما ترك لهم الخيار فعلًا.
مع فتح باب الترشح، عاد اسم سيف الإسلام القذافي إلى الواجهة، ليس كشخص فقط، بل كرمز سياسي واجتماعي يحمل ثقلًا شعبيًّا لا يمكن تجاهله. الطعون التي قدمت ضده ثم قبلت، والارتباك الذي أصاب المفوضية، والتوتر الأمني الذي رافق المشهد، لم تكن تفاصيل إجرائية بقدر ما كانت إشارات أن العملية برمَّتها دخلت مسارًا مختلفًا. سرعان ما توقفت الانتخابات تحت مسمى القوة القاهرة، وهذا ما صرح به السفير الأمريكي في طرابلس حينها، وهو توصيف قانوني أخفى حقيقة سياسية، وجود مرشح يمتلك قاعدة شعبية واسعة كان كفيلًا بنسف هندسة النتائج قبل أن تبدأ.
منذ ذلك التوقف، دخلت ليبيا في حالة جمود قاتلة. لا انتخابات، لا مصالحة حقيقية، ولا أفق سياسي واضح. بقي سيف الإسلام في الزنتان، بعد أربعة عشر عامًا من الأسر والحماية، في وضع رمزي شديد الحساسية، يمثل في نظر أنصاره إمكانية العودة إلى مشروع الدولة، وفي نظر خصومه خطرًا على معادلة ما بعد 2011. ومع ذلك، وفي مشهد بالغ الغموض، وجد الرجل وحيدًا، بلا حراسات، بلا تفسير، وبلا رواية رسمية مقنعة، قبل أن يعلن عن اغتياله في ظروف تفتقر إلى أبسط معايير الشفافية.
اغتيال سيف الإسلام لا يمكن قراءته كحادثة أمنية معزولة، بل كحلقة أخيرة في مسار تعطيل ممنهج. فالرجل كان أحد أطراف المصالحة الوطنية التي عول عليها الليبيون طويلًا، وموته أوقف فعليًّا أي إمكانية لإعادة جمع الفرقاء حول طاولة واحدة. لم يقتل شخصًا فقط، بل جرى اغتيال مسار، وقطع الطريق على أي تسوية تخرج البلاد من حالة الاستنزاف.
والعدو الحقيقي في هذا المشهد لم يكن داخليًّا كما يروج، بل أجنبيًّا ظلَّ جاثمًا على القرار الليبي. ولسنا هنا في مقام الشك، بل في موقع يقين سياسي بأن الأيادي السوداء العابرة للحدود، وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية، تملك مصلحة مباشرة في بقاء ليبيا رهينة للفوضى. أمريكا التي اختطفت رؤساء الدول من بيوتهم، وقادت انقلابات باسم الحرية، لن تتورع عن تصفية رجل بحجم سيف الإسلام إذا كان وجوده يهدد معادلة الفوضى. أما من كانوا قائمين على حمايته، فقد تعرضوا لضغوطات أكبر من قدرتهم، حتى انعدمت الحيلة، وبقي الصمت شاهدًا ثقيلًا. وهكذا لم يقتل الرجل وحده، بل اغتيل معه احتمال الدولة، لتبقى ليبيا أسيرة فوضى يصنعها الخارج وينفذها الداخل بالصمت.

زر الذهاب إلى الأعلى