ملتقى دافوس وعالم آخر

بقلم: عبدالله ميلاد المقري
يُعقَد ملتقى دافوس السنوي، الذي يحضره أكثر من 2000 من قادة الأعمال وخبراء المؤسسات الحكومية والوزراء ورؤساء الدول، إضافة إلى حشد من الصحفيين والناشطين والمراقبين في المدينة السويسرية، منصةً لمناقشة القضايا الاقتصادية العالمية، وتغيُّر المناخ، والتعاون الدولي، والصراعات السياسية في المناطق التي تشهد عدم استقرار، والتقدُّم التكنولوجي، بما في ذلك الذكاء الاصطناعي. وخلال أربعة أيام، تغطِّي نحو 200 جلسة أهم القضايا الراهنة، بحضور ما لا يقل عن 400 شخصية سياسية و50 رئيس دولة يتنافسون على منصَّات الخطابة واستعراض المواقف التي تعكس سياسات الدول في عالم يشهد نوعًا من السيناريوهات الجديدة بعد مشروع العولمة الذي بدأته أمريكا، وهي اليوم من يكسر حدَّته، بل إن ترامب قد يكون بدأ في نسفه من الأساس. إلا أن عنوان هذا العام بدا وكأنه محاولة لإذلال القادة الأوروبيين وإهانتهم من قبل ترامب، الذي استعرض تهديداته لهم؛ سواء بالمطالبة بجزيرة «جرينلاند» على سبيل التنازل، أو التلويح بشرائها، أو حتى انتزاعها بالقوة. وهو يعلم أنه قادر على تنفيذ وعيده، مستندًا في ذلك إلى استعراض القوة في ملفات دولية أخرى.
في المقابل، يظهر القادة الأوروبيون ضعفهم أمام رئيس يستخفُّ بهم، بل ويشوِّه مسيرتهم السياسية عبر دعم معارضيهم في الداخل. ويرى كثيرون أن الأوروبيين يستحقون هذه «اللطمة»؛ فهذا ماكرون يخلط الكلام بالرموز دون مواجهة مباشرة لترامب، الذي يهدد بفرض رسوم جمركية تصل إلى 200% على النبيذ الفرنسي. وهذه رئيسة وزراء الدنمارك التي لم تستطع اتخاذ موقف حاسم ومباشر على المنصَّة تجاه محاولة سلب «غرينلاند» من وضعها القائم.
وشهد ختام الملتقى نوعًا من التوافقات التي تمنح ترامب مكاسب تمكِّنه من استغلال الجزيرة عسكريًّا واقتصاديًّا، في ظل سيادة شكلية لا قيمة لها للدنمارك، ودون أن تدفع أمريكا أي مقابل كان معروضًا مسبقًا.
وفي المجمل، فإن الذين يتباكون اليوم على جزيرة جليدية شبه خالية من السكان -لا يتجاوز عددهم خمسين ألف نسمة يعانون قسوة الطبيعة- هم أنفسهم الذين شاركوا في سلوك عدواني أدى إلى تدمير ليبيا وقتل الليبيين، في عدوان دولي ضد دولة عضو فاعل في الأمم المتحدة. ولذلك فإن الشعب الليبي ينتظر أن تجني هذه القيادات عواقب أفعالها، ولو على شكل «لطمة» معنوية في قاعات دافوس. وهذا يجعل العالم يتذكَّر أن المعارك التي يخوضها ترامب تنطلق من مشروع جديد تتشكَّل أبعاده من فكرة عنصرية، ترى أن أمريكا هي القوة الوحيدة التي تحقق مصالحها بالقوة، وتفرض سطوتها العسكرية والاقتصادية على العالم، ولم تعد الأمم المتحدة ومؤسساتها ذات أهمية يُرجع إليها في الشأن العالمي، بل إن مجلس الأمن نفسه يسعى ترامب إلى استبداله بما يسميه «مجلس السلام»، الذي ينطلق من «غزة الريفييرا الجديدة» كمشروع للترفيه العالمي.
