النظام الجديد.. والإفراغ القسري

عفاف الفرجاني
يشهد النظام الدولي في مرحلته الراهنة تحولًا بنيويًّا عميقًا لا يمكن اختزاله في تغير الإدارات أو تبدل الخطابات السياسية، بل يعكس انهيارًا تدريجيًّا لمنظومة القواعد التي حكمت العلاقات الدولية منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. فقد تراجع القانون الدولي من كونه مرجعية ملزمة إلى أداة انتقائية، تستعمل حين تخدم مصالح القوى الكبرى، ويتم تعطيلها حين تُعيق تمددها. هذا التحول تعزز مع عودة دونالد ترامب إلى واجهة القرار الأمريكي، بسياسة خارجية تقوم على الإكراه الاقتصادي، وتوسيع العقوبات، وإعادة تعريف مفهومي السيادة والشرعية وفقًا لمعادلة القوة.
لم تعد الأمم المتحدة تشكل مرجعية فعلية لإدارة النزاعات، إذ باتت قراراتها معطلة أمام إرادة الدول الكبرى، وعلى رأسها الولايات المتحدة، التي تتعامل مع العالم كساحة نفوذ مفتوحة يعاد تشكيلها وفق المصالح لا وفق القواعد. فالسيادة لم تعد حقًّا قانونيًّا ثابتًا، بل امتيازًا سياسيًّا يُمنح أو يُسحب تبعًا لدرجة الانصياع.
في غزة، يظهر هذا الانهيار بوضوح فاضح، حيث تستمر الجرائم دون مساءلة، وتستخدم آليات الحماية السياسية لتعطيل أي مسار للمحاسبة، ما حول مبادئ حقوق الإنسان إلى خطاب أخلاقي انتقائي، يخضع لموازين التحالف لا لمعايير العدالة. وفي الشرق الأوسط عمومًا، يجري إعادة رسم خرائط النفوذ عبر الحروب بالوكالة، وتسليح الانقسامات، وإدارة الفوضى باعتبارها أداة استقرار مؤقت يخدم مصالح القوى المتدخلة.
أما إيران، فهي نموذج صارخ لتسييس العقوبات كأداة إخضاع استراتيجي، حيث تم تفريغ الاتفاق النووي من مضمونه، واستبداله بمنطق الضغط الأقصى، في تجاوز واضح لمبدأ الالتزام بالاتفاقات الدولية، وتحويل العقوبات من وسيلة دبلوماسية إلى أداة حصار طويل الأمد.
وفي الساحل الأفريقي، تتجلى ملامح الصراع الدولي في أبسط صورها وأكثرها قسوة. فالمنطقة تحولت إلى مسرح مفتوح لتنافس القوى الكبرى، حيث تستخدم مكافحة الإرهاب غطاء لإعادة التموضع العسكري، والسيطرة على الموارد، وإعادة إنتاج التبعية، بينما تتآكل سيادة الدول الهشة تحت وطأة التدخلات الخارجية والانقلابات المدفوعة بالأزمات الاقتصادية والأمنية.
ولم يكن الحديث الأمريكي عن غرينلاند معزولًا عن هذا السياق، بل عكس نزعة توسعية تعيد إحياء منطق الهيمنة الجغرافية، لكن عبر أدوات اقتصادية وضغوط سياسية ناعمة، تؤكد أن العالم يعاد تصنيفه كمساحة نفوذ لا كمجتمع دول.
الأخطر من ذلك، هو السعي الأمريكي لفرض أطر بديلة للنظام الدولي، عبر مبادرات أحادية تفرغ المؤسسات متعددة الأطراف من مضمونها، وتؤسس لآليات قرار تدار بإرادة منفردة. وقد دفعت هذه السياسات دولًا أوروبية كبرى إلى التعبير عن قلقها من تحول الولايات المتحدة من شريك استراتيجي إلى قوة ضغط لا تتردد في استخدام الابتزاز حتى ضد حلفائها.
إن ما يجري اليوم ليس مجرد تغير في السياسات، بل تحول عميق في بنية النظام العالمي، حيث تتراجع القواعد الجماعية لصالح منطق القوة، وتجد البشرية نفسها أمام مفترق طرق حاسم بين إعادة الاعتبار لمنظومة دولية أكثر توازنًا، أو الانزلاق نحو عالم تحكمه شريعة الغاب، حيث لا سيادة مصانة ولا قانون يحمي الضعفاء.
