مقالات الرأي

مطاع المقال غير سديد.. وسديد المقال غير مطاع


محمد بوخروبة


ليبيا بين سياسة المعادلة الصفرية ومجتمع حُوِّل إلى حقل تجارب. ليس في ليبيا اليوم نقص في الكلام، بل فائض فيه، ولا أزمة في التحليل، بل في مصيره، فكم من مقال سديد كُتب، وكم من تشخيص دقيق قُدِّم ثم انتهى إلى الفراغ، وكم من خطاب مطاع رُفِع وهو في جوهره هشٌّ متهافت، بل مضلل، هنا تتجلى المفارقة الليبية في أقسى صورها، مطاع المقال غير سديد، وسديد المقال غير مطاع.
الأوضاع السياسية في ليبيا لم تعد مضطربة فحسب، بل مخزية في معناها العميق، مخزية لأنها تعكس فشلًا مركبًا، فشل النخب وفشل المنظومات وفشل القدرة على التعلم من الأخطاء، ما يحدث ليس سوء إدارة عابر، بل استدامة للفشل بوصفه نمط حكم ومنهج تفكير وآلية اشتغال.
المعادلة السياسية القائمة في ليبيا معادلة صفرية بامتياز، النتيجة الطبيعية لهذه المعادلة الصفرية هي ما يمكن تسميته بلا مواربة، بـ “الفنكوش السياسي”، وعود بلا مضمون، مسارات بلا نهاية، حوارات بلا نتائج، وسلطات بلا سلطة، كل شيء يبدو قائمًا في الشكل غائبًا في الجوهر، مؤسسات تسمى مؤسسات، لكنها بلا فاعلية، مسارات تسمى انتقالية لكنها بلا انتقال، شرعيات تُمنح وتُسحب دون أن يتغير واقع الناس قيد أنملة.
الأخطر من ذلك أن الإجابة المرجوة عن سؤال الدولة ألقيت عمليًّا على كاهل مجتمع أُنهِك وفُكِّك، ثم طلب منه أن يكون الحكم والضامن والمنقذ في آن واحد، مجتمع تحول إلى حقل تجارب تجرب عليه التسويات، وتُختبر فوقه التوازنات وتدار فوق أكتافه الصراعات، دون أن يكون شريكًا حقيقيًّا في القرار أو طرفًا محترمًا في المعادلة.
السياسيون في غالبيتهم تصرفوا كما لو أن المجتمع مادة خام لا كيان حي، لم يستثمر في وعيه ولا في حمايته ولا في إعادة بناء ثقته، بل جرى استهلاكه حين لزم، وصمتيًّا حين اقتضى الأمر، وتخديريًّا حين تعقدت الأسئلة، وهكذا تحول المواطن من صاحب مصلحة إلى متلقٍّ للأزمات، ومن شريك في الدولة إلى متفرج على تفككها. وفي قلب هذا المشهد، غابت المسؤولية السياسية، لا اعتراف بالفشل ولا محاسبة عليه، أما النتيجة العامة فلا يتحملها أحد، وكأن ليبيا تدار بلا ذاكرة وبلا تراكم وبلا مساءلة، كل مرحلة تبدأ من الصفر وتنتهي إلى الصفر.
أما الخطاب السياسي فقد أصبح جزءًا من الأزمة لا أداة لفهمها، خطاب مشحون متقلب انتقائي، يرفع شعارات كبرى ويتهرب من الأسئلة الدقيقة، تستخدم اللغة لا لتوضيح الواقع، بل لإخفائه، تستدعى المفاهيم لا لبناء المعنى، بل لتجميل الفراغ، وهنا يصبح المقال السديد عبئًا، لأن السديد يحرج، بينما المقال المطاع هو ذاك الذي يرضي لا الذي يصيب.
الإعلام بدوره لم ينج من هذا الانحدار، ففي كثير من الأحيان فضل الاصطفاف على التحليل، والإثارة على الفهم والسرعة على العمق، لم يعد وسيطًا نقديًّا، بل ناقلًا للضجيج، ومع تكرار المشهد تآكلت الثقة، وضاع الحد الفاصل بين الخبر والرأي وبين التحليل والتعبئة.
وسط كل ذلك ظل السؤال الجوهري معلَّقًا، ماذا نريد من الدولة؟ هل نريدها إطارًا جامعًا أم غنيمة؟ هل نريدها حكم قانون؟ هل نريدها مشروعًا طويل المدى أم إدارة أزمة بلا نهاية؟
ما لم يُجَب عن هذا السؤال بوضوح، ستظل السياسة تدور في فراغها، وستظل المعادلة صفرية مهما تغيرت الوجوه والمسميات، فالأزمة الليبية ليست أزمة أشخاص فقط، بل أزمة تصور، وأزمة معنى، وأزمة جرأة على الحسم الفكري قبل الحسم السياسي.
ليبيا لا تحتاج إلى مزيد من المسارات بقدر ما تحتاج إلى مسار واضح المعنى، ولا تحتاج إلى مزيد من البيانات، بل إلى قرار يعترف بالواقع كما هو، لا كما يراد له أن يبدو، ولا تحتاج إلى مجتمع يطلب منه الصبر بلا أفق، بل إلى عقد سياسي يعيد له مكانته وكرامته ودوره.
فلا يمكن لمجتمع أنهك أن يكون الحل وحده، ولا لسياسة بلا رؤية أن تنتج دولة، وما لم تنتقل النخب من إدارة الفشل إلى مواجهة أسبابه، سيظل المقال السديد غير مطاع، وسيظل المطاع غير سديد، وستبقى ليبيا تدفع ثمن هذا الخلل من استقرارها ومستقبلها.
فالدولة لا تبنى بالتجريب، ولا تدار بالوهم، ولا تنقذها المعادلات الصفرية.

زر الذهاب إلى الأعلى