كيف تدير الولايات المتحدة عبء الدَّين في ظل التحولات الاقتصادية العالمية

بقلم: عثمان الدعيكي
تجاوز الدين العام للولايات المتحدة حاجز الثمانية والثلاثين تريليون دولار، وهو تطور لافت في مسار المالية العامة لأكبر اقتصاد في العالم. غير أن التركيز على حجم الدين وحده لا يعكس الصورة الكاملة، إذ إن التحدي الحقيقي لا يكمن في الرقم نفسه بقدر ما يكمن في السياسات التي تعتمدها واشنطن لإدارته واحتواء آثاره. فالمشهد الراهن لا يشير إلى أزمة مالية حادة أو إفلاس وشيك، بل إلى استراتيجية طويلة الأجل تقوم على إعادة توزيع أعباء الدين، داخليًّا وخارجيًّا، من خلال أدوات نقدية وتجارية واقتصادية متداخلة.
على مدى سنوات، ساد في الولايات المتحدة خطاب رسمي يقلل من مخاطر العجز المالي، مستندًا إلى متانة الاقتصاد الأمريكي وقدرته على استيعاب مستويات مرتفعة من الدين. وكان يُنظر إلى التريليونات المتراكمة باعتبارها مسألة محاسبية أكثر منها أزمة فعلية، إلا أن التطورات الأخيرة، ولا سيما منذ عام 2024، أظهرت تحول الدين إلى عنصر ضاغط على الموازنة العامة، مع ارتفاع غير مسبوق في تكلفة خدمته.
للمرة الأولى في التاريخ الأمريكي، تجاوزت مدفوعات فوائد الدين حجم الإنفاق العسكري، وهو مؤشر بالغ الدلالة في دولة طالما شكَّل إنفاقها الدفاعي أحد أعمدة سياساتها العالمية. إذ تقترب تكلفة الفوائد وحدها من تريليون دولار سنويًّا، متجاوزةً موازنات برامج اجتماعية وصحية واسعة. هذا الواقع أدخل المالية العامة الأمريكية في حلقة تتسم بارتفاع متواصل في الاقتراض لتغطية التزامات سابقة، ما يحدُّ من هامش المناورة أمام صانعي القرار.
في هذا السياق، تجد الولايات المتحدة نفسها أمام خيارات محدودة لإدارة عبء الدين، فالتقشف الحاد يواجه عقبات سياسية واقتصادية، في حين يبقى الإفلاس الصريح خيارًا مستبعدًا، نظرًا إلى الدور المحوري الذي تلعبه سندات الخزانة الأمريكية في النظام المالي العالمي. وعليه، تتجه السياسة الاقتصادية عمليًّا نحو خيار ثالث يتمثل في خفض القيمة الحقيقية للدين على المدى المتوسط والطويل، من خلال مزيج من التضخم المعتدل وأسعار الفائدة التي تبقى دون مستواها التاريخي.
هذا التوجه ينعكس في العلاقة المتغيرة بين السياسة النقدية والمالية، حيث باتت اعتبارات استدامة الدين تلقي بظلالها على قرارات الاحتياطي الفيدرالي، فرفع أسعار الفائدة إلى مستويات مرتفعة قد يؤدي إلى زيادة حادة في تكلفة خدمة الدين، ما يضغط على الإيرادات العامة ويقيد الإنفاق الحكومي. وفي المقابل، يسمح القبول بتضخم أعلى نسبيًّا بتخفيف العبء الحقيقي للدين تدريجيًّا، وإن كان ذلك على حساب القوة الشرائية للمدخرات.
وفي موازاة الأدوات النقدية، برزت السياسات التجارية كأحد مكونات هذه المقاربة الأوسع، فقد اتجهت إدارة الرئيس دونالد ترامب إلى توسيع استخدام التعريفات الجمركية على الواردات، سواء من الخامات الأساسية أو المنتجات النهائية، في إطار سياسة تهدف إلى حماية الصناعات المحلية، وتعزيز الإيرادات العامة، والحد من الاختلالات في الميزان التجاري. وتُسهم هذه الإجراءات، إلى جانب آثارها المباشرة على حركة التجارة، في تحميل جزء من كلفة التكيف الاقتصادي للشركاء التجاريين، عبر ارتفاع الأسعار أو إعادة توجيه سلاسل الإمداد العالمية.
وتكتسب هذه السياسات بعدًا دوليًّا نظرًا إلى ارتباط النظام المالي العالمي بالدولار الأمريكي، ففي ظل بيئة نقدية تتسم بعوائد حقيقية محدودة على الأصول المقومة بالدولار، تتأثر الدول والمؤسسات التي تعتمد عليه كمخزن رئيسي للقيمة. ويبرز في هذا السياق وضع الصناديق السيادية العربية، التي تحتفظ بجزء كبير من احتياطاتها في سندات الخزانة الأمريكية أو الودائع الدولارية طويلة الأجل.
ورغم ما تتمتع به هذه الأصول من سيولة مرتفعة وتصنيف ائتماني عالٍ، فإن استمرار التضخم بمعدلات تفوق العائد الحقيقي يؤدي إلى تآكل تدريجي في قيمتها الفعلية. وبذلك تتحمل هذه الصناديق، بصورة غير مباشرة، جزءًا من تكلفة إدارة الدين الأمريكي، من خلال انخفاض القوة الشرائية لمدخراتها بمرور الوقت، من دون تسجيل خسائر اسمية واضحة أو الحاجة إلى قرارات سياسية معلنة.
في المحصلة، لا تواجه الولايات المتحدة سيناريو انهيار مالي مفاجئ، بل تنتهج مسارًا تدريجيًّا لإدارة عبء دينها عبر مزيج من السياسات النقدية والتجارية، وفي هذا الإطار، تزداد أهمية القراءة الدقيقة لهذه التحولات، ليس فقط من منظور الاقتصاد الأمريكي الداخلي، بل أيضًا لما تحمله من تداعيات على الاقتصادات المرتبطة بالدولار، وعلى استراتيجيات إدارة الاحتياطيات والسيولة في الدول والمؤسسات المالية حول العالم.
