في مواجهة شيطنة الاشتراكية: تفكيك خطاب الهزيمة وتبرير الهيمنة

محمد علوش
تتجدد، مع كل أزمة سياسية أو اقتصادية في بلد يرفع راية اليسار أو الاشتراكية، محاولات منهجية لتعميم الفشل وتحويل تجربة بعينها إلى حكم نهائي على فكرة تاريخية ومشروع تحرري إنساني كامل، وفي هذا السياق يأتي الطرح الذي يساوي بين الأزمة الفنزويلية وسقوط جدار برلين، باعتبارها لحظة الانهيار الأخيرة لليسار العالمي، وهو طرح لا يمكن قراءته إلا بوصفه تعبيرًا عن هزيمة فكرية مؤدلجة أكثر منه تحليلًا نقديًّا موضوعيًّا.
يقوم هذا المنطق، منذ بدايته، على خلط متعمد بين الاشتراكية كفكرة مفتوحة للصراع الاجتماعي والتاريخي، وبين تجربة سياسية محددة خضعت لشروط داخلية معقدة وضغوط خارجية هائلة، فالاشتراكية لم تكن يومًا نموذجًا جامدًا أو نظامًا مغلقًا، بل كانت دائمًا أفقًا يسعى إلى تحقيق العدالة الاجتماعية وتحرير العمل واستعادة السيادة الوطنية في مواجهة هيمنة رأس المال، وكما أن انهيار الاتحاد السوفياتي لم يكن نهاية الاشتراكية، فإن تعثر تجربة فنزويلا، مهما بلغ حجمه، لا يمكن أن يتحول إلى شهادة وفاة للفكر اليساري برمته.
إن محاكمة الاشتراكية بمعايير مثالية صارمة، مقابل التغاضي عن الكوارث البنيوية للرأسمالية، تكشف ازدواجية فاضحة في الخطاب السائد، فالرأسمالية، على الرغم مما أنتجته من فقر عالمي، وحروب، وأزمات مالية متلاحقة، لم تعلن نهايتها، بل جرى دائمًا تبرير إخفاقاتها بوصفها عوارض مؤقتة، أما الاشتراكية، فيراد لها أن تدان جماعيًا عند أول إخفاق، وكأنها وحدها مطالبة بالكمال.
ولا يمكن فهم ما جرى في فنزويلا بمعزل عن سياق الاستهداف الإمبريالي المباشر منذ أن قررت، في عهد هوغو شافيز، استعادة السيطرة على ثروتها النفطية وتوظيفها في خدمة الفئات الشعبية، فقد تعرضت البلاد لحصار اقتصادي خانق، وعقوبات شلَّت مفاصل اقتصادها، وحرب مالية وإعلامية مفتوحة، ومحاولات انقلاب، وتدخلًا سافرًا في شؤونها الداخلية، وإن تجاهل هذا السياق، وتحميل “الاشتراكية” وحدها مسؤولية الأزمة، ليس قراءة تحليلية بريئة، بل موقف سياسي يخدم سردية الهيمنة الأمريكية التي تسعى إلى ترسيخ فكرة واحدة: لا بديل عن الخضوع للنظام الرأسمالي العالمي.
وهذا لا يعني إنكار الأخطاء أو تبرئة أي تجربة من النقد، فالنقد الصريح من داخل اليسار ضرورة تاريخية، خاصة حين تتشكل نخب بيروقراطية، أو تقمع الحريات، أو يساء استخدام الدولة، لكن الفرق جوهري بين نقد يساري يهدف إلى التصحيح والتجديد، وبين خطاب يعلن الهزيمة ويصطف، عن وعي أو دون وعي، مع خصوم المشروع التحرري، وإن تحويل فشل تجربة ما إلى “هدية لليمين” لا يعكس حتمية تاريخية، بل يكشف غياب مشروع يساري ديمقراطي مستقل قادر على الجمع بين العدالة الاجتماعية والديمقراطية الشعبية والسيادة الوطنية.
الأخطر في خطاب “سقوط الجدار الجديد” أنه يفتح الباب لتبرير عودة الإمبريالية الأمريكية بصيغتها الأكثر وقاحة، فحين يُقدَّم دونالد ترامب أو غيره بوصفه منقذًا من “الاستبداد الاشتراكي”، تمحى من الذاكرة جرائم التدخل، والانقلابات، ونهب ثروات الشعوب التي ارتكبتها الولايات المتحدة في أمريكا اللاتينية والعالم، فأي منطق هذا الذي يجعل من اختطاف رئيس دولة أو فرض الوصاية على ثرواتها عملًا ديمقراطيًّا، بينما تدان محاولات التحرر، مهما كانت معقدة ومتناقضة؟
إن الاشتراكية لم تصل إلى طريق مسدود، بل بعض التجارب التي لم تنجح في تجديد أدواتها، أو تحصين نفسها ديمقراطيًّا، أو إدارة صراعها مع الإمبريالية بكفاءة أعلى، أما اليسار، بوصفه تعبيرًا عن مصالح الكادحين والمهمشين، فلا يزال ضرورة تاريخية في عالم يزداد فيه الظلم والتفاوت والاستغلال، وشيطنة الاشتراكية لن تلغي الأسئلة التي تطرحها، ولن تطفئ الحاجة إليها، فكما سقطت جدران كثيرة في التاريخ وبقيت الأفكار الحية، ستبقى الاشتراكية، متجددة وناقدة وديمقراطية، ما بقي الظلم قائمًا، وما بقيت الشعوب تناضل من أجل الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية.
